أخبار عاجلة

حنان بلخي تجسد صعود السعودية إلى قيادة الصحة العالمية

حين أعلنت المملكة العربية السعودية ترشيح الدكتورة حنان حسن بلخي لمنصب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية للفترة 2027-2032، بدا الخبر في ظاهره متعلقاً بسباق على واحد من أهم المناصب الصحية الدولية، لكن القراءة الأوسع تضعه في سياق تحول سعودي تجاوز منذ سنوات حدود الإصلاح الداخلي، وبات يبحث عن ترجمة ما تراكم من خبرات وكفاءات إلى حضور أكبر داخل المؤسسات الدولية، فالرياض لا تقدم هذه المرة شخصية سياسية لمنصب صحي، بل طبيبة وأكاديمية وقيادية تعرف منظمة الصحة العالمية من الداخل، وراكمت خبرة تمتد من المستشفيات السعودية إلى مكاتب المنظمة في جنيف، وصولا إلى قيادة إقليم شرق المتوسط.

والانتخابات لم تبدأ فعلياً بعد، كما أن النتيجة لا يمكن استباقها. باب الترشيحات يبقى مفتوحاً حتى 24 سبتمبر/أيلول قبل أن تمر العملية بمراحل تنتهي بانتخاب المدير العام الجديد خلال جمعية الصحة العالمية في مايو/أيار 2027. لكن مجرد دخول السعودية بهذا الاسم إلى المنافسة يحمل دلالة تتجاوز حسابات الفوز والخسارة.

سيرة تتحدث قبل الحملة

ولا تحتاج حنان بلخي إلى بناء سيرتها خلال الحملة الانتخابية، فسيرتها سبقتها إلى جنيف. تخرجت في كلية الطب بجامعة الملك عبدالعزيز، وأكملت تدريبها في طب الأطفال في مستشفى ماساتشوستس العام بالولايات المتحدة، قبل أن تتخصص في الأمراض المعدية للأطفال. وعادت إلى السعودية لتتولى مسؤوليات في الوقاية من العدوى ومكافحتها، وتقود ملفات مرتبطة بمقاومة مضادات الميكروبات والأمن الصحي.

وفي 2019 انتقلت إلى منظمة الصحة العالمية لتشغل منصب مساعد المدير العام لمقاومة مضادات الميكروبات، وهو أحد أكثر التحديات الصحية العالمية حساسية، قبل أن تُعيّن في 2024 مديرة إقليمية للمنظمة لشرق المتوسط، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

هذه المسيرة تجعل الترشيح السعودي مختلفاً، فبلخي لا تدخل منظمة الصحة العالمية من بوابة السياسة، وإنما تحاول الانتقال من داخل المؤسسة نفسها إلى قمة هرمها الإداري والصحي.

من السهل اختزال التحولات السعودية الحالية في رؤية 2030، لكن تطور القطاع الصحي في المملكة أقدم من الرؤية نفسها.

على مدى أكثر من عقدين، توسعت المدن الطبية والمستشفيات التخصصية، وتطورت برامج الابتعاث والتدريب والتخصصات الدقيقة، ونمت الخبرات السعودية في مجالات الجراحة والأورام وزراعة الأعضاء والأمراض المعدية والطب الوقائي والصحة الرقمية.

ثم جاءت رؤية 2030 لتدفع هذا التراكم إلى مرحلة مختلفة، فلم يعد الهدف زيادة عدد المنشآت والخدمات فقط، بل إعادة صياغة نموذج الرعاية الصحية نفسه، من خلال تعزيز الوقاية، والتحول الرقمي، ورفع كفاءة الإنفاق، وتحسين جودة الخدمات، وتوسيع دور التكنولوجيا والاستثمار.

وهنا يصبح ترشيح بلخي نتيجة لمسار أكثر منه حدثاً منفصلاً عنه. فالدول لا تنتقل من استيراد الخبرة الطبية إلى المنافسة على قيادة مؤسسة صحية عالمية بمجرد امتلاك مستشفيات حديثة. هذا الانتقال يحتاج إلى تراكم معرفي ومؤسساتي وإلى كوادر تستطيع التحرك في بيئات دولية معقدة.

وجاءت جائحة كورونا لتختبر جانباً من هذا التراكم.

كورونا تعيد ترتيب الصورة

كانت الجائحة امتحاناً غير مسبوق للأنظمة الصحية. ولم تسأل كورونا الدول عن تاريخها الطبي أو عدد جامعاتها العريقة، بل اختبرت قدرتها على اتخاذ القرار، وحماية النظام الصحي، وإدارة المعلومات، وتوفير اللقاحات، والتعامل مع المجتمع تحت ضغط أزمة مجهولة الملامح.

في هذا الاختبار ظهرت السعودية وعدد من دول الخليج بصورة لافتة. استفادت المملكة من خبرتها السابقة في التعامل مع فيروس 'ميرس'، ومن منظومات المراقبة ومكافحة العدوى، كما وظفت الصحة الرقمية والتطبيقات الإلكترونية في الفحوص والمواعيد والاستشارات وتنظيم عمليات التطعيم.

ولا يعني ذلك أن التجربة الخليجية كانت بلا ثغرات، أو أن دول المنطقة أصبحت فجأة بديلاً عن المراكز الطبية التقليدية في أوروبا وأميركا، لكن الجائحة كسرت فكرة قديمة تقول إن المعرفة والخبرة الصحية تتحركان دائماً في اتجاه واحد من الغرب إلى بقية العالم.

ففي جوانب من إدارة الأزمة، استطاعت دول خليجية وعربية أن تقدم نماذج سريعة ومنظمة، وأن تضاهي دولاً متقدمة، بل وتتقدم على بعضها في توظيف التكنولوجيا وسرعة تنفيذ الإجراءات وإدارة حملات التطعيم.

ومن هذه الزاوية، يصبح لوجود أكثر من اسم خليجي في سباق منظمة الصحة العالمية معنى إضافي، فإلى جانب بلخي، رشحت قطر الدكتورة حنان محمد الكواري.

قد تتنافس الرياض والدوحة على المنصب، وهذا طبيعي في الانتخابات الدولية، لكن وجود مرشحتين خليجيتين يحمل في الوقت نفسه رسالة أوسع: المنطقة التي كانت لسنوات طويلة تستورد جانباً كبيراً من خبرتها الطبية باتت تمتلك من الكفاءات ما يسمح لها بتقديم مرشحين لقيادة المؤسسة الصحية الدولية الأهم.

المرأة السعودية.. التحول الأكثر وضوحاً

لكن حنان بلخي تمثل قصة أخرى لا تقل أهمية عن الصحة، فالمرأة السعودية لم تدخل الطب حديثاً، وهناك أجيال من الطبيبات والأكاديميات السعوديات اللواتي راكمن خبرة طويلة، ما تغير خلال السنوات الأخيرة هو المساحة التي أصبحت متاحة أمام المرأة للانتقال من المشاركة إلى القيادة.

وفي عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، ومع مشروع التحول الذي يقوده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حدثت نقلة اجتماعية واقتصادية يصعب تجاهلها. توسعت مشاركة المرأة في سوق العمل، ودخلت قطاعات ومهن كانت مشاركتها فيها محدودة، وأصبحت حاضرة بصورة أكبر في الإدارة والأعمال والدبلوماسية والتكنولوجيا والبحث العلمي.

وتشير تقارير رؤية 2030 إلى ارتفاع كبير في مشاركة السعوديات في سوق العمل مقارنة بمستويات 2016، حتى تحقق الهدف الأصلي الذي حددته الرؤية قبل موعده، ليجري رفع سقف الطموح.

الأهم من الرقم هو ما حدث في مفهوم المشاركة نفسه. لم تعد قضية المرأة تُطرح فقط باعتبارها ملفاً اجتماعياً، بل أصبحت جزءاً من معادلة التنمية والاستثمار في رأس المال البشري.

ومن هنا يحمل ترشيح بلخي دلالة تتجاوز سيرتها الشخصية، فحين تستثمر الدولة في تعليم النساء وتفتح أمامهن المجال المهني والقيادي، تتحول الكفاءات النسائية إلى جزء من قوتها الوطنية.

ولعل الصورة الأكثر تعبيراً عن هذا التحول ليست في الخطابات، بل في أن امرأة سعودية بدأت مسيرتها طبيبة، ثم أصبحت مسؤولة عن ملفات صحية عالمية في جنيف، ثم مديرة لإقليم يضم عشرات الدول، قبل أن تقدمها بلادها مرشحة لقيادة منظمة الصحة العالمية بأكملها.

الخليج من متلقٍ للخبرة إلى شريك فيها

لسنوات طويلة، ارتبطت علاقة العالم العربي بالمؤسسات الصحية الدولية بفكرة الاستفادة من خبراتها ومعاييرها وبرامجها. وكانت المنطقة، مثل أجزاء واسعة من العالم النامي، مستقبلة للمعرفة الصحية أكثر مما كانت مشاركة في صياغتها.

لكن الصورة تتغير تدريجياً. التجربة الخليجية في تطوير المستشفيات، واستقطاب وتكوين الكفاءات، والصحة الرقمية، وإدارة التجمعات البشرية الكبرى، والاستجابة للأوبئة، باتت تنتج معرفة يمكن تبادلها مع الآخرين.

والسعودية تحديداً تمتلك تجربة صحية لها خصوصيتها، فهي تدير سنوياً واحداً من أكبر التجمعات البشرية العابرة للحدود في العالم خلال الحج والعمرة، بما يحمله ذلك من تحديات مرتبطة بالأوبئة والأمراض المعدية والمراقبة الصحية والاستجابة للطوارئ. وهي خبرة تمنح المملكة تماساً مستمراً مع مفهوم الأمن الصحي العالمي، لا باعتباره نظرية، بل ممارسة تتكرر كل عام.

وهذا ما يجعل ترشيح بلخي قابلاً للقراءة ضمن تحول أوسع في طبيعة القوة السعودية، فإلى جانب الاقتصاد والطاقة والاستثمار والدبلوماسية والرياضة والسياحة، تحاول المملكة بناء حضور يقوم على المعرفة والكفاءات البشرية.

الفوز بمنصب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية ليس محسوماً لأحد. الانتخابات الدولية لا تقررها السير الذاتية وحدها، وإنما تدخل فيها التحالفات الإقليمية والدبلوماسية وتوازنات الدول الأعضاء، كما أن قائمة المنافسين قد تتغير حتى إغلاق باب الترشيحات.

ولهذا سيكون من المبالغة تقديم ترشيح حنان بلخي باعتباره انتصاراً تحقق قبل التصويت، لكن ثمة انتصاراً من نوع آخر تحقق بالفعل.

قبل سنوات كان جزء مهم من النقاش السعودي يدور حول كيفية تطوير النظام الصحي والاستفادة من أفضل الخبرات العالمية. أما اليوم، فالسعودية تقدم واحدة من خبراتها للمنافسة على قيادة المؤسسة التي تضع جزءاً مهماً من قواعد الصحة العالمية.

المسافة بين المشهدين تختصر شيئاً من قصة المملكة الجديدة، فمشروعات التحول لا تقاس فقط بما تبنيه الدول من طرق ومدن ومستشفيات، وإنما بما تنتجه من إنسان قادر على المنافسة خارج حدودها. ولا تقاس نهضة المرأة بعدد الأبواب التي فتحت أمامها فحسب، بل بالمكان الذي تستطيع الوصول إليه حين تصبح الكفاءة هي معيار الاختيار.

حنان بلخي ستدخل سباقاً دولياً صعباً، وستكون الكلمة الأخيرة للدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية، لكن ترشيحها يقول شيئاً مهماً عن السعودية قبل أن يقول شيئاً عن نتيجة الانتخابات، فالرياض التي استثمرت خلال السنوات الماضية في الصحة والإنسان والمرأة والمعرفة، بدأت تنقل بعض ثمار هذا الاستثمار إلى الخارج. ومن الرياض إلى جنيف، لا تبدو المسافة هذه المرة مجرد رحلة إلى منصب دولي، بل انتقالاً تدريجياً من بناء النهضة في الداخل إلى المشاركة في صناعة القرار العالمي.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات