بين حماية مواطنيها والحفاظ على خيط التواصل مع جيرانها، تجد موريتانيا نفسها أمام معادلة أمنية ودبلوماسية شديدة الحساسية، بعدما أعادت حوادث مقتل موريتانيين وثقها المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان، على الحدود مع دول الجوار، ملف أمن المناطق الحدودية إلى واجهة الاهتمام.
وأوضح المرصد في حصيلة أثارت الاهتمام الكبير أنه وثق مقتل 34 موريتانياً في حوادث وقعت على حدود البلاد مع دول مجاورة، في حصيلة تفتح أسئلة تتجاوز البعد الحقوقي إلى مسؤولية الدولة في حماية مواطنيها، وحدود قدرتها على التعامل مع هذه الوقائع دون الانزلاق إلى توتر إقليمي مع دول ترتبط معها نواكشوط بعلاقات أمنية واجتماعية واقتصادية متشابكة.
وبينما تتصاعد المطالبات بتحقيقات ومحاسبة المسؤولين عن هذه الحوادث، تحاول السلطات الموريتانية الموازنة بين حماية مواطنيها واحتواء تداعيات قد تجعل الحدود بؤرة جديدة للتوتر في منطقة الساحل.
ولم تعد الحدود بالنسبة إلى كثير من الموريتانيين مجرد خطوط تفصل بين الدول، فهي مجال للرعي والتجارة والتنقيب، ومعبر تقليدي لعشرات الآلاف من أبناء الجاليات في غرب إفريقيا.
لكن هذه المساحات المفتوحة تحولت، خلال السنوات الأخيرة، إلى مصدر متكرر للأخبار المأساوية، مع سقوط قتلى واعتقالات وشكاوى من سوء المعاملة، في وقت تحاول فيه نواكشوط حماية مواطنيها من دون الانجرار إلى أتون الاضطراب الذي يضرب منطقة الساحل.
وأعاد المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان الملف إلى الواجهة بإعلانه توثيق مقتل 34 مواطناً موريتانياً بين عامي 2019 و2026 على الشريط الحدودي مع مالي والجزائر والمغرب، واصفاً ما يحدث بأنه «ظاهرة متفاقمة» جعلت البحث عن الرزق والتنقل في التخوم مخاطرة تمس الحق في الحياة والسلامة الجسدية».
وطالب المرصد نواكشوط بعدم الاكتفاء بالتعامل مع كل حادثة بمعزل عن الأخرى، داعياً إلى تحرك دبلوماسي وأمني أكثر حزماً، وإلى فتح تحقيقات مستقلة وشفافة ومحاسبة المسؤولين، مع إنشاء آليات اتصال وتنسيق حدودية تمنع تكرار الحوادث.
وإذا كانت حصيلة المرصد موزعة على ثلاث جبهات حدودية، فإن مالي تظل الحلقة الأكثر حساسية، ليس فقط بسبب طول الحدود المشتركة التي تتجاوز ألفي كيلومتر، وإنما بسبب استمرار الأزمة الأمنية في هذا البلد وتشابكها مع حركة الرعاة والتجار والموريتانيين المقيمين في دول غرب إفريقيا.
وليست هذه الحوادث جديدة؛ ففي كانون الثاني/ يناير 2023، أثار مقتل سبعة رعاة موريتانيين داخل الأراضي المالية احتجاجات في مدينة عدل بكرو الحدودية، دفعت نواكشوط إلى إرسال وفد إلى باماكو للتحقيق في الملابسات، فيما نفت السلطات المالية حينها مسؤولية جيشها عن الحادث.
وتصاعد التوتر مجدداً في 2024، مع ورود تقارير عن مقتل مدنيين موريتانيين ووقوع حوادث على الشريط الحدودي، بالتزامن مع العمليات التي كانت تنفذها القوات المالية وعناصر مجموعة فاغنر الروسية.
وبلغ القلق مستوى دفع باماكو إلى إرسال وفد يضم وزيري الدفاع والخارجية إلى نواكشوط، بينما أرسلت موريتانيا لاحقاً مسؤولين أمنيين وعسكريين إلى مالي سعياً لاحتواء الأزمة.
ولم تطو السنوات اللاحقة الملف، ففي مارس الماضي أعلنت قيادة الأركان الموريتانية أن قوة مسلحة وصلت إلى قرية داخل الأراضي المالية على بعد 12 كيلومتراً من الحدود، واعتقلت ثلاثة منمين موريتانيين ومواطناً مالياً، قبل العثور عليهم وقد فارقوا الحياة.
وكان لافتاً حرص الجيش الموريتاني على تأكيد أن الحادث وقع داخل مالي وليس داخل الأراضي الموريتانية، مع طمأنة السكان بانتشار وحدات من الجيش على طول الحدود واستعدادها للتصدي لأي تهديد للسيادة الوطنية.
وكشف ذلك التوضيح جانباً من حساسية الملف؛ فحكومة نواكشوط تريد حماية مواطنيها، لكنها حريصة كذلك على التمييز بين الاعتداء على مواطنين موريتانيين داخل مالي وبين اختراق القوات المالية للحدود، لأن الحالة الثانية تحمل أبعاداً سيادية وعسكرية أخطر.
وجاءت حادثة آب/ أغسطس الجاري لتضيف بعداً جديداً للمشكلة، إذ لم يكن المعنيون رعاة في منطقة حدودية ملتبسة، وإنما موريتانيون، معظمهم يعملون في التجارة، كانوا عائدين براً من جمهورية كوت ديفوار إلى بلادهم عبر الأراضي المالية، قبل أن توقفهم السلطات المالية قرب كاتي، في محيط يشهد إجراءات أمنية مشددة، لتبدأ نواكشوط اتصالات مكثفة للإفراج عنهم.
وفي النهاية، عاد عشرات الموقوفين إلى موريتانيا على متن طائرة أقلتهم إلى مدينة النعمة الموريتانية.
لكن الإفراج لم ينه القضية؛ فقد أكد الناطق باسم الحكومة الموريتانية، الحسين ولد مدو، أن المواطنين أوقفوا «ظلماً»، وأنهم كانوا في وضعية عبور ولا علاقة لهم بالجماعات المسلحة التي اشتبه في ارتباطهم بها، معلناً أن بعضهم تعرض لسوء المعاملة، بما في ذلك التعذيب في بعض الحالات.
وأصبحت مخاطر الطريق المالي من الجدية بحيث طلب أفراد من الجالية الموريتانية في كوت ديفوار، خلال لقاء لهم مؤخراً مع الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في أبيدجان، فتح خط جوي مباشر بين أبيدجان والنعمة، لتجنيب المسافرين مخاطر العبور البري عبر مالي.
غضب وحسابات
ويضع تراكم هذه الحوادث حكومة نواكشوط أمام ضغط متزايد، فالرأي العام يريد إجراءات أكثر حزماً كلما سقط موريتاني، بينما تدرك الدولة أن تحويل الغضب الشعبي إلى مواجهة مفتوحة مع باماكو قد يحمل كلفة أمنية باهظة.
فالحدود الطويلة بين البلدين ليست مجرد خط عسكري يمكن إغلاقه، بل إنها فضاء اجتماعي واقتصادي تتحرك فيه مجموعات سكانية مترابطة، وتعبره التجارة والمواشي، فيما تستضيف موريتانيا أعداداً كبيرة من اللاجئين القادمين من مالي.
ولهذه الأسباب تبدو نواكشوط أمام معادلة دقيقة: كيف تحمي مواطنيها من دون أن تصبح طرفاً في الحرب المالية التي يتطاير شررها؟
وتفسر هذه المعادلة، إلى حد بعيد، لغة الرئيس الغزواني الهادئة في التعامل مع باماكو، وحرصه على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، والنظر إلى ما يجري في مالي باعتباره وضعاً استثنائياً ينبغي التعامل معه بالحكمة وضبط النفس.
هدوء لا يعني الصمت
غير أن حصيلة 34 قتيلاً التي وثقها المرصد الحقوقي الموريتاني تجعل استمرار النهج نفسه من دون آليات حماية إضافية موضع تساؤل، فنجاح الدبلوماسية في تحرير المحتجزين الأخيرين أظهر فاعلية الاتصال السياسي، لكنه كشف في الوقت نفسه هشاشة وضع آلاف الموريتانيين الذين تفرض عليهم التجارة أو الرعي أو السفر المرور بمناطق مضطربة.
وهنا لا يبدو الخيار محصوراً بين الصمت والتصعيد، فهناك مساحة واسعة لدبلوماسية أكثر صرامة: تحقيقات مشتركة، آلية دائمة لمعالجة الحوادث، تنسيق عسكري حدودي، تحديد مسارات آمنة للمسافرين والرعاة، وتحويل حماية المدنيين من رد فعل بعد وقوع المأساة إلى سياسة وقائية.
فموريتانيا، التي نجحت حتى الآن في إبقاء حرائق الساحل خارج حدودها، لديها مصلحة حيوية في عدم الانجرار إلى مواجهة مع مالي، لكن هذا النجاح سيظل أمام اختبار متجدد ما دام مواطنوها يدفعون ثمن الفوضى وراء الحدود.
لذلك، فإن التحدي أمام نواكشوط لا يقتصر على كشف ملابسات مقتل مواطنيها، وإنما يتمثل أيضاً في بناء ترتيبات حدودية أكثر فاعلية تمنع تكرار هذه الحوادث، وتضمن الأمن من دون أن تتحول حماية المواطنين إلى شرارة تصعيد مع الجيران.
وبين 34 قتيلاً في إحصاء المرصد، وثلاثة منمين قتلوا في آذار/ مارس الماضي، وعشرات المسافرين الذين عادوا من الاحتجاز في آب/ أغسطس حاملين شكاوى سوء المعاملة، تتشكل رسالة يصعب تجاهلها: المطلوب من نواكشوط ليس الانتقال من الهدوء إلى المواجهة، وإنما تحويل الهدوء إلى قوة دبلوماسية وأمنية قادرة على حماية المواطن، حتى لا يصبح تجنب الحرب مع الجار مرادفاً للتعايش مع نزيف لا يتوقف.

تعليقات الزوار
لا تعليقات