في الوقت الذي تحاول الدبلوماسية احتواء تداعيات مأساة سبتة المحتلة، يتعامل الجيش الإسباني مع الأزمة من منطلقات عسكرية محضة تذهب إلى استحضار حرب مع المغرب بسبب سبتة ومليلية، رغم ضعف هذه الفرضية في الوقت الراهن. هذا في وقت يحذر فيه المدير السابق للمخابرات الإسبانية، خورخي ديسكيار، من أنه لا يجب التعاطي بنوع من التبخيس مع ما يجري في سبتة.
في حواراته العديدة مع وسائل الإعلام الإسبانية والدولية، يبرز خورخي ديسكيار، بمناسبة مأساة سبتة باقتحام جماعي لأكثر من 70 ألف شخص غالبيتهم مغاربة وغرق 141منهم، أن المغرب لن يتخلى عن المطالبة بسبتة ومليلية، مضيفا أنه لا يجب التبخيس من عملية الاقتحام الجماعي لسبتة يوم 30 يوليو 2026، معتبرا أن ذلك جاء للضغط على إسبانيا، مما قد يتسبب في نزاعات مستقبلا بين البلدين. وينضاف رأي ديسكيار، الذي كان سفيرا في المغرب نهاية التسعينيات، إلى آراء عدد من الضباط العسكريين، بل حتى وزيرة الدفاع مارغريتا روبلس، التي شددت في زيارتها إلى سبتة الأربعاء من الأسبوع الجاري على أنه لا يمكن للمغرب المساس بسبتة ومليلية. وتبنت وزيرة الدفاع خطاب الصقور في هذه الأزمة، عكس زميلها في الحكومة، وزير الخارجية مانويل ألباريس وحتى وزير الداخلية فيرناندو مارلاسكا.
وارتباطا بالجانب العسكري، يطرح الكثير من الخبراء سؤالا حول الدور الذي ستتخذه منظمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” والدول الأعضاء في حالة اندلاع نزاع مسلح بين الرباط ومدريد حول سبتة ومليلية المحتلتين. ويأخذ التساؤل راهنيته ليس فقط بسبب مأساة سبتة وتبادل التصريحات بين الرباط ومدريد حول المدينتين، بل لأن وسائل إعلام مقربة من دوائر القرار في الرباط بررت، قبل أن تتراجع، في البداية ما جرى من اقتحام جماعي يوم 30 يوليوز بأنه عقاب لمدريد على طرح حماية المدينتين في قمة حلف شمال الأطلسي منذ شهر في أنقرة بتركيا. والواقع أن إسبانيا لم تعد تطرح موضوع المدينتين منذ سنوات طويلة في قمم الحلف الأطلسي، ولم تطرح الملف في قمة أنقرة نهائيًا.
ومن خلال مقالات سابقة نشرتها عدد من مراكز التفكير الاستراتيجي، وجرائد مثل “لاراثون”، أو مواقع متخصصة في الشأن العسكري مثل “ديفينسا” أو “غالاكسي ميليتاري”، فإن النقاش وسط الدبلوماسيين والعسكريين والمحللين الغربيين محرج بشأن الإجابة عن سؤال: من هي دول الحلف التي ستدعم إسبانيا فعليًا في حال اندلاع النزاع؟ وترى جريدة لاراثون أن “الإجابة ليست تلقائية، ولا قانونية، ولا عسكرية، إنها، قبل كل شيء، سياسية”. في هذا الصدد، تنص معاهدة الحلف الأطلسي في مادتها الخامسة على الدفاع الجماعي، لكن المادة السادسة تحدد الأراضي المحمية ولا تشمل سبتة ومليلية. ونتيجة لذلك، فإن أي هجوم من طرف المغرب على المدينتين لا يعني تفعيل الدفاع المشترك تلقائيًا. غير أنه إذا امتد الهجوم إلى الأراضي الإسبانية الواقعة في القارة الأوروبية، مثل الأندلس، فحينها سيتدخل الحلف الأطلسي مباشرة.
ويرى المحلل السياسي الإسباني سانتياغو أرميسيلا، في أحد برامج البودكاست الذي حلل فيه هذا السيناريو، أن إسبانيا كانت دائمًا لوحدها في الحروب الكبرى، سواء إبان الاستقلال من الاستعمار الفرنسي بداية القرن التاسع عشر، أو خلال عزلتها الدولية في القرن العشرين، خاصة بعد الحرب الأهلية في ثلاثينيات القرن الماضي، مشددًا على أن هذا السيناريو “قد يتكرر في حالة نزاع مع المغرب، وقد تتلقى إسبانيا الدعم، نعم، لكن ليس دائمًا من الجهة المتوقعة”.
وستضع الحرب عددا من الدول الأعضاء في الحلف في موقف صعب للغاية، ومنها بريطانيا التي تتواجد في صخرة جبل طارق، ثم الولايات المتحدة التي تعتبر مضيق جبل طارق استراتيجيًا لنفوذها العالمي، وستكون فرنسا في أصعب موقف بحكم أنها حليفة للمغرب وجارة لإسبانيا. ويرى القادة العسكريون الإسبان أن إسبانيا ستتوصل بدعم، وإن لم يكن علنيا ومباشرا، من عدد من الدول الحليفة في حربها ضد المغرب.
حسين مجدوبي

تعليقات الزوار
لا تعليقات