قالت مجلة “ماريان” الفرنسية إن الجزائر تمضي في مسار متسارع نحو تقليص حضور اللغة الفرنسية في منظومتها التعليمية، مقابل تعزيز مكانة الإنكليزية، في خطوة أثارت انتقادات من تربويين ومثقفين يرون أن الفرنسية، رغم ارتباطها بالتاريخ الاستعماري، أصبحت جزءًا من الذاكرة والتراث الثقافي والعلمي الجزائري.
وأضافت المجلة في تقريرها أن مشروع استبدال الفرنسية بالإنكليزية في المدارس الجزائرية بدأ يتخذ شكلًا تدريجيًا، بعدما شرعت السلطات منذ سنوات في تقليص مساحة الفرنسية وتقديم الإنكليزية باعتبارها “لغة العلوم”.
بدأ التحول الأبرز عام 2023، عندما أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إدراج الإنكليزية ابتداءً من السنة الثالثة من التعليم الابتدائي، إلى جانب الفرنسية. وقد تم في ذلك الوقت توظيف وتكوين نحو 60 ألف مدرس خلال أسابيع، فيما تم تقاسم الساعات المخصصة لتعليم اللغتين.
واجه القرار انتقادات من نقابات التعليم ومتخصصين في التربية، الذين رأوا أن إصلاحًا بهذا الحجم لا يمكن تنفيذه بهذه السرعة؛ فيما رحب به المحافظون الذين يعتبرون اللغة الإنكليزية خطوة نحو التخلص من الفرنسية، التي لا يزال بعضهم يصفها بأنها “لغة المستعمر”.
وتابعت “ماريان” التوضيح أن مسار تقليص الفرنسية دخل مرحلة جديدة نهاية يوليو/تموز الماضي، عندما أعلن وزير التربية الوطنية محمد صغير سعداوي حذف المواد التي تصنف ضمن “غير الأساسية” من برامج أقسام السنة النهائية. ووفق التقرير، كانت الفرنسية من أبرز المتضررين، إذ لم تعد حاضرة إلا في عدد محدود من الشعب العلمية.
ونقلت المجلة عن الباحث عبد الرزاق دوراري انتقاده لفكرة الربط بين الإنكليزية والتقدم العلمي، معتبرًا أن الأمر يقوم على “رؤية أسطورية لتعليم اللغات واكتساب العلوم”، لأن مجرد استخدام الإنكليزية لا يعني إنتاج المعرفة العلمية. كما نقلت عن التربوي أحمد تيسة، مؤلف كتاب “تعليم الفرنسية.. الاستئصال المستحيل”، قوله إن استبدال النخبة الجزائرية الناطقة بالفرنسية بنخبة ناطقة بالإنكليزية يحتاج إلى “خمسين عامًا على الأقل، وربما أكثر”.
ويؤكد تيسة، بحسب المجلة، أن جزءًا كبيرًا من التراث الوطني الجزائري مكتوب بالفرنسية، فضلًا عن وجود ملايين الجزائريين في بلدان ناطقة بها، ما يجعل إقصاء الفرنسية مسألة تتجاوز المدرسة. وأيضا نقلت عن باحث في اللغة الأمازيغية ببجاية، قوله إن تقليص تعليم الفرنسية لا يستهدف اللغة فقط، بل “الذاكرة”، مشيرًا إلى الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية وإرث المثقفين والكتاب الذين استخدموها للتعبير عن أفكارهم ومواقفهم.
واستعادت “ماريان” تعبير الروائي الجزائري الراحل كاتب ياسين، الذي وصف الفرنسية بأنها “غنيمة حرب”، مشيرة إلى المفارقة التي تحكم علاقة الجزائر بها: فهي لغة ارتبطت بالاستعمار، لكنها تحولت بعد الاستقلال إلى أداة للإبداع والتفكير والبحث العلمي.
وأشارت المجلة إلى أن مجموعة من المثقفين الجزائريين أكدت، في مقال نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية في 12 أغسطس/آب، أن الفرنسية أصبحت جزءًا من التراث الفكري والعلمي والثقافي للجزائر، وأن الجزائريين أعادوا امتلاكها واستخدامها كوسيلة للإبداع والتحرر والتواصل.
ونقلت “ماريان” عن عبد الوهاب يعقوبي، النائب الجزائري السابق، أن الفرنسية ما تزال مفيدة في مجالات عديدة، بينها الطب والبحث العلمي والتعليم العالي والصناعة والاقتصاد.
كما اشارت المجلة إلى موقف الكاتب ياسمينة خضرا، الذي يرى أن الفرنسية “تحمل جزءًا من الذاكرة” الجزائرية، وأن محوها سيكون أمرًا غير منطقي.
ورأت “ماريان” أن الجدل الجزائري حول الفرنسية لم يعد مجرد خلاف بشأن لغة أجنبية، بل تحول إلى نقاش حول الهوية والذاكرة والتراث ومستقبل التعليم. فبينما يرى أنصار الإنكليزية أنها لغة المستقبل والعلوم، يخشى المدافعون عن الفرنسية أن يؤدي إقصاؤها إلى قطع الصلة بجزء مهم من التاريخ الثقافي والعلمي الجزائري.

تعليقات الزوار
لا تعليقات