عاد الجدل حول سياسة التعريب والخيارات اللغوية في الجزائر إلى الواجهة، بعد إعادة تصريحات قديمة للسياسي الراحل عبد الحميد مهري إلى الواجهة، يقول فيها إن “التعريب فرضه الرئيس الفرنسي شارل ديغول”، في سياق جدل عام تشهده الجزائر حول إصلاح المناهج التعليمية ومستقبل المدرسة.
وجاء التفاعل مع ما قاله مهري أحد أبرز مسؤولي جبهة التحرير الوطني بعد الاستقلال، لكونه أحد المحسوبين على التيار القومي العروبي في الجزائر، ما دفع الجانب الآخر، غير المتحمس لسياسات التعريب، إلى استغلالها في السجال الدائر حول تاريخ اللغة العربية ومكانتها في الدولة والمدرسة الجزائرية، خصوصا في ظل عودة النقاش بقوة حول مستقبل الفرنسية والاتجاه نحو تعزيز حضور الإنجليزية في المنظومة التعليمية.
وكان ما زاد في إشعال الجدل ما أدلت بع مديرة صحيفة “الفجر” حدة حزام من تصريحات لقناة “الخبر”، قالت فيها، نقلا عن الراحل عبد الحميد مهري، إن التعريب “فرضه ديغول” لاعتقاده بأن العربية لغة متخلفة ولن تسمح للجزائريين بالتطور. كما قالت إن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر أرسل إلى الجزائر أساتذة ومعلمين من جماعة الإخوان المسلمين، معتبرة أن ذلك تسبب، حسب روايتها، في سيطرة هذا التيار على المدرسة.
وفي منشور لها على “فيسبوك”، قدمت حزام رواية أكثر تفصيلا بشأن خلفية ما تم نسبته إلى مهري. وقالت إن الفريق المفاوض الجزائري خلال مفاوضات إيفيان تفوق على الفريق الفرنسي من حيث إتقانه اللغة الفرنسية وتمسكه بخيار الاستقلال وتفوقه الدبلوماسي، الأمر الذي جعل المفاوض الفرنسي ينسحب مرارا للتشاور مع ديغول.
وأضافت أن ديغول “اندهش لقوة أبطال الجزائر”، وأنه قال للفرنسيين إن هؤلاء، بعد استقلال بلادهم”، وهم بهذا المستوى سيتغلبون عليكم في كل المجالات”. وربطت حزام ذلك بما قالت إنه نصيحة قدمها ديغول، لاحقا، إلى السلطات الجزائرية بعد الاستقلال بتطبيق التعريب، حتى لا تتمكن الأجيال الجديدة من الوصول إلى تعليم عصري وعلمي.
وفي محاولة لإيجاد مصدر لتصريحات مهري، ظهر مقال لصحيفة “الشروق” في تغطيتها، سنة 2006، لحوار أجراه مهري مع الإذاعة الثقافية، يتحدث فيه الراحل عن ضرورة مراجعة عدد من القضايا الثقافية والسياسة الوطنية للغات. وقال إن “التعريب كان مشروع ديغول بالأساس، الذي يعتبر أول من أسس له”، موضحا أن ذلك كان، بحسب تصوره، في الاتجاه الذي يخدم المصالح الفرنسية حتى بعد انتهاء الاستعمار العسكري.
كما تحدث مهري عن الوضع اللغوي في الجزائر، معتبرا أنه يمثل مجالا للمناورات الأجنبية، وقال إن الفرانكوفونية “سياسة واستراتيجية” قبل أن تكون مجرد تعليم للغة الفرنسية، وإنها تعني، في رأيه، تسييس القضايا اللغوية.
وانتقد مهري طول فترة تدريس اللغات الأجنبية في الجزائر، مشيرا إلى أن الدراسات التربوية في العالم لا تتطلب، حسب قوله، أكثر من ثلاث سنوات لتدريس اللغة الأجنبية، بينما كانت الفرنسية تدرس في الجزائر لمدة عشر سنوات، وهو ما اعتبره مؤشرا على أن الأمر لا يتعلق بمنطق بيداغوجي، وإنما بخيار سياسي.
وبشكل سريع، فتحت هذه التصريحات نقاشا حول المقصود بكلام مهري وسياقه التاريخي، خصوصا أن العبارة المتعلقة بكون ديغول “أول من أسس للتعريب” جرى التعامل معها من قبل بعض المتفاعلين باعتبارها دليلا على أن سياسة التعريب التي اعتمدتها الجزائر بعد الاستقلال كانت، في أصلها، مشروعا استعماريا.
ورفضت ردود كثيرة تعليقا على ما قالته حدة حزام هذا الاستنتاج، مؤكدة أن كلام مهري لا يعني أن ديغول هو الذي فرض التعريب على الجزائر المستقلة، وإنما يشير إلى سياسة استعمارية اتبعتها فرنسا في السنوات الأخيرة من وجودها في الجزائر تجاه اللغة العربية.
وذهب أحد الردود إلى أن مهري كان يقصد، من خلال حديثه عن ديغول، الإشارة إلى محاولات الإدارة الاستعمارية احتواء المطالب المرتبطة باللغة العربية، واستخدام التعليم العربي ضمن سياسة تهدف إلى المحافظة على النفوذ الفرنسي في الجزائر قبل سنة من استقلال الجزائر، حيث كان التعليم في المدارس في فترة الاستعمار ممنوعا باللغة العربية.
وشدد صاحب الرد على أن “التعريب الذي تم بعد الاستقلال قرار سيادي اتخذته الدولة الجزائرية”، وأن اختزال كلام مهري في عبارة “ديغول فرض التعريب” يمثل، بحسب رأيه، تحريفا لمعناه. كما انتقد الاستناد إلى ما نشرته الصحافة باعتباره مرجعا علميا نهائيا، داعيا إلى العودة إلى النص الأصلي للحوار وقراءة كلام مهري في سياقه الكامل.
كما رفض الرد الرواية التي تربط قرار ديغول بانبهاره بقوة المفاوضين الجزائريين في مفاوضات إيفيان، مؤكدا أن ما ذكره مهري، وفق هذا التفسير، يتعلق بمرسوم أصدره ديغول سنة 1961 بشأن تدريس اللغة العربية، في محاولة أخيرة للإبقاء على الجزائر ضمن المجال الفرنسي مع منح العربية بعض الحقوق اللغوية.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن السياسة الفرنسية تجاه العربية لم تكن سوى محاولة لاحتواء المطالب الوطنية وإعادة توظيف اللغة ضمن مشروع الحفاظ على النفوذ الفرنسي، وهو ما يقصده مهري بتصريحاته، في حين أن قرار الجزائر المستقلة حول اعتماد التعريب جاء نابعا من ضرورة إعادة العربية لمكانتها كجزء من استرجاع السيادة.
ويتزامن هذا الجدل مع نقاش سياسي وتربوي متجدد بشأن موقع الفرنسية في المدرسة الجزائرية. فقد برزت خلال الأيام الأخيرة مواقف متعارضة من قبل شخصيات محسوبة على التيارين الإسلامي والتقدمي للإصلاحات التي أعلن عنها وزير التربية محمد الصغير سعداوي والتي تتجه إلى تأخير تدريس الفرنسية وتعزيز مكانة الإنجليزية في مراحل مبكرة من التعليم.
وتحوّل هذا السجال إلى مواجهة رمزية بين تصورين للمدرسة الجزائرية. الأول يرى أن الانتقال نحو الإنكليزية وتقليص حضور الفرنسية يمثلان استكمالا لإعادة ترتيب السياسة اللغوية بعد الاستقلال، وتجاوزا لإرث الاستعمار في المدرسة. والثاني يعتبر أن المشكلة ليست في الفرنسية ذاتها، وإنما في جودة التعليم، وأن إضعاف لغة ما لا يعني بالضرورة تقوية لغة أخرى، خصوصا إذا لم تكن المدرسة والجامعة مهيأتين للانتقال.

تعليقات الزوار
لا تعليقات