فتحت الظروف الجيوسياسية الراهنة، المتعلقة بالصراع المتصاعد في الشرق الأوسط بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، آفاقا وفرصة استراتيجية كبيرة للدول المصدرة للنفط والغاز لدعم مداخيلها بملايير الدولارات.
وفي ظل الأزمة الدولية الراهنة والنقص الحاد في المواد الطاقية الناتج عن التهديدات التي تطال الممرات الحيوية، مثل مضيق "هرمز"، برزت الحاجة الملحة لموردين يقعون خارج مناطق التوتر المباشر، حيث برز إسم الجزائر التي تحاول وضع نفسها في السوق الدولية كبديل محتمل لتعويض النقص المتوقع في المواد الطاقية، خصوصا للدول الأوروبية.
غير أن المعطيات المعززة بالأرقام تؤكد أن للجزائر هوامش ضئيلة لتكون بديلا طاقيا للدول الأوروبية، بحكم العديد من العوامل، أهمها أن السوق الداخلي الذي يستهلك 52% من الإنتاج الطاقي الإجمالي، زيادة على ذلك، هناك عوامل تخص قرارات النظام الجزائري الاستراتيجية في المنطقة، خصوصا بعد غلق أنبوب الغاز
"المغرب العربي وأوروبا"، حيث كانت الجزائر من خلاله تصدر للسوق الأوروبية مثل إسبانيا والبرتغال ما يقارب 10.5 مليار متر مكعب سنويا، ما يمثل مداخيل للخزينة الجزائرية تعادل 10 إلى 12 مليار دولار سنويا بالأسعار الحالية، مقابل رسوم عبور كانت تدفع للمغرب ما بين 160 و200 مليون دولار سنويا.
تؤكد المعطيات الرقمية لعامي 2024 و2025 استقرارا حيويا في الصادرات الجزائرية الطاقوية، حيث بلغت كميات الغاز الطبيعي المصدرة نحو 45.7 مليار متر مكعب، بينما استقر إنتاج البترول الخام عند حدود 0.96 مليون برميل يوميا، مع قدرة تصديرية فعلية للخام والمشتقات تصل إلى 762 ألف برميل يوميا.
ومع هذه القدرة الانتاجية المتوسطة، حققت شركة سوناطراك الجزائرية إيرادات تصديرية بلغت 45 مليار دولار في عام 2024، مع تسجيل صافي أرباح قدره 6.24 مليار دولار، غير أن هذه الأرقام تصاعدت خلال أزمة مضيق هرمز، ما جعل الطلب على المواد الطاقية الجزائرية يتضاعف حيث سجلت صادراتها من الغاز المسال قفزة نوعية بنسبة 74% خلال الربع الأول من عام 2026 بالتزامن مع ذروة التوترات الإقليمية، لتصل إلى مستويات قياسية تقترب من مليون طن شهريا.
غير أن هذه الأرقام تبقى محدودة لدعم الخزينة الجزائرية ماليا وإدخالها في بحبوحة رغم الظروف الدولية السانحة، ويرجع ذلك إلى القرارات المتخذة من طرف النظام الحاكم، حيث هناك عوائق حقيقية تجعل رفع مستوى التصدير والمداخيل "تحديا" وليس مجرد قرار.
ومن العوائق التي لا تسمح للجزائر بأن يكون فاعلا في السوق الطاقي رغم الظروف المواتية للتصدير بحكم شح المعروض في السوق الدولي، هناك تآكل الإنتاج الطاقوي بسبب الاستهلاك الداخلي، حيث يستهلك السوق المحلي في الجزائر حاليا أكثر من 43% من إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي، مع نمو الطلب المحلي بنسبة تقارب 3-6% سنويا، وهو ما يجعل الهوامش المتاحة للتصدير، تتقلص تدريجيا ما لم يقابلها زيادة ضخمة في الإنتاج، كما أن تقادم البنية التحتية لمجمع سونطراك يعد عاملا مهمة في القدرة التصديرية، حيث تعاني بعض المنشآت، خاصة وحدات إسالة الغاز في أرزيو وسكيكدة، من العمل بأقل من 50% من قدرتها التصميمية بسبب نقص الاستثمارات التاريخية والحاجة إلى التحديث.
بالإضافة إلى ذلك، تدفع الجزائر ثمنا باهضا بعد إغلاقها أنبوب المغرب العربي وأوروبا سنة 2021، حيث أدى هذا الإغلاق إلى خسارة قدرة تصديرية كانت تصل لـ 10.5 مليار متر مكعب سنويا، ما يعادل مداخيل مالية تقدر ما بين 10 إلى 12 مليار دولار، ورغم محاولة تعويض ذلك عبر أنبوب "ميدغاز" وناقلات الغاز المسال، إلا أن القدرة الإجمالية للنقل تأثرت بهذا الإغلاق، زيادة علي ذلك، أن الجزائر تجد صعوبة في الاستفادة من الأسعار الحالية التي شهدت طفرة كبيرة، بحكم أنها تبيع معظم غازها بعقود طويلة الأجل، والهوامش المتاحة حاليا هو تحويل جزء من الفائض لديها للبيع بالأسعار الفورية التي ارتفعت بشكل جنوني بسبب الأزمات الحالية.
ووفق البيانات الرسمية، فالجزائر لم تصل للسقف النهائي لمواردها، لكنها قريبة من سقف قدرتها الحالية على الاستخراج، وغير قادرة على انتاج يغذي مواردها المالية بحكم الكثير من العوامل من بينها ضعف الاستثمار وغياب الخيارات للتصدير، والاستهلاك الداخلي الكبير، وهو ما دفعها إلى ضخ استثمارات ضخمة تبلغ 60 مليار دولار ممتدة حتى عام 2029، تهدف لرفع سقف الإنتاج الإجمالي إلى أكثر من 200 مليار متر مكعب سنويا، مما يضمن تعويض أي فقدان للقدرة التصديرية ناتج عن إغلاق الأنابيب السابقة أو زيادة الاستهلاك الداخلي الذي بات يستهلك نحو 43% من الإنتاج، ويؤهل البلاد للاستفادة القصوى من هوامش الأرباح في الأسعار الفورية بعيدا عن قيود العقود طويلة الأجل.
وتبقى القرارات السياسية في الجزائر تؤثر بشكل كبير على تطوير المواد الطاقية ومداخيلها للبلاد، حيث أن هناك فجوة كبيرة في الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاع بسبب تعقيدات بيروقراطية، رغم أن قانون المحروقات الجديد يحاول معالجة ذلك لجذب شركات دولية، غير أن القرارات التي يتخذها النظام العسكري الحاكم تجعل القطاع ككل مرهون بمنكافة سياسية إقليمية تخص الوضع الإقليمي، والخلاف مع المغرب في قضية الصحراء.
لهذا، وللضغط على واشنطن، وليس من أجل تطوير القطاع الطاقوي في البلاد، عملت الجزائر على منح امتيازات ضخمة لشركات أمريكية عاملة في مجال الطاقة مثل شركتي شفيرون وإكس موبيل، حيث سبق للسفير الجزائري في واشنطن، صبري بوقادوم، أن أكد رغبة بلاده في تعميق الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، واصفا آفاق التعاون في المجال الطاقوي، العسكري، والاقتصادي بأنها "بدون سقف" أو "السماء هي الحد".

تعليقات الزوار
لا تعليقات