أخبار عاجلة

لماذا يقاطع الطلبة جامعاتهم في الجزائر؟

شاهدت كغيري من الجزائريين تلك الصور التي ينشرها بعض أساتذة الجامعات للمدرجات وقاعات التدريس الفارغة من الطلبة.. أمر لا يقتصر على فترة الدخول الجامعي بعد العودة من العطل الكثيرة، كما هو حاصل هذه الأيام، التي يتلكأ بعدها الطلبة للالتحاق بمقاعد الدراسة، بل يتعداه إلى أيام السنة الأخرى.
ظاهرة تزداد أكثر في رمضان وبداية السنة الدراسية وعند اقتراب نهايتها، قبل الدخول في فترة الامتحانات التي يتميز النظام التعليمي الجزائري بكثرتها وعدم فعاليتها، عادة ما يكون النجاح مضمونا لأغلبية الطلبة فيها إلا لمن رفض. في جامعة عمومية تضمن الإدارة فيها النقل الخاص بالطلبة والطعام والسكن بالمجان للطلبة، زيادة على منحة مالية سنوية مهما كان تواضع مبلغها، لنكون أمام هذه الصورة السريالية، التي يصعب تفسيرها وإقناع القارئ بها، خاصة عندما لا يكون جزائريا، على علم بدواخل الأمور. حضور كل شيء شرط العملية البيداغوجية وغياب المعني الأول بها أي الطالب.
علما بأن الغياب عن الدروس لدرجة مقاطعتها بشكل شبه كلي لا يقتصر على الجامعة، بل يمس الأمر كذلك المرحلة الثانوية وسنتها الأخيرة تحديدا ـ منذ بداية عطلة الربيع كما هو الحال هذه الأيام، التي عادة ما يقاطعها التلاميذ المقبلون على امتحان شهادة البكالوريا، مفضلين عنها «المدارس الخاصة « التي تفتح خصيصا لاستقبالهم خلال هذه الفترة. يختارون فيها مواد علمية محددة للتركيز عليها، بدل المقرر العام الثقيل الذي يقدمه البرنامج الرسمي. برنامج ما زالت بيروقراطية وزارة التربية تتشبث به لأسباب أيديولوجية واضحة، رغم علامات النفور منه التي أبداها التلاميذ منذ عقد الثمانينيات. وضع تسبب في انطلاق مظاهرات شهدتها بعض المدن الكبرى، على غرار قسنطينة والجزائر العاصمة بداية من منتصف ثمانينيات القرن الماضي.

غياب عن الدروس بدأ بعض المتخصصين في البيداغوجيا – في التنبيه لخطورته وهم يتكلمون عن عجز كبير يعانيه التلميذ الجزائري على مستوى التحصيل العلمي، قدًره احمد تيسا أحد المتخصصين بـ 30 شهرا عندما يتعلق الأمر بالطالب المقبل على البكالوريا. الذي لا يداوم أكثر من 25-26 أسبوعا، مقابل 38-40 أسبوعا كمعدل دولي. ليصل هذا الباحث المتخصص في مجال البيداغوجيا إلى أن التلميذ الجزائري يصل إلى الجامعة بعد دراسة لمدة 13 سنة، بعجز في التحصيل قدره أحمد تيسا بسنتين ونصف (30 شهرا)، ناهيك من العطل المرضية والاضرابات وأنواع التهرب الكثيرة للطلبة عن الالتحاق بقاعات دروسهم الجامعية. الذين تعودوا حسب تجربتي الشخصية على عدم الدخول إلى قاعات التدريس في الغالب لغاية بداية تساقط الأمطار الأولى في منتصف الخريف. من دون الدخول في تفاصيل المشهد البيداغوجي على مستوى نوعية الفعل التربوي في حد ذاته الذي يبقى في حاجة إلى إعادة نظر وتحسين دائم لم يساعد عليه التضخم العددي الذي تعانيه المنظومة التعليمية بتسييرها البيروقراطي المعروف عنها، الذي يسيطر فيه الإداري على البيداغوجي.
في مجتمع يشكو من ضعف الإجماع بين قواه الاجتماعية الأساسية عندما يتعلق الأمر بتقييم المنظومة المدرسية بنقاط قوتها وضعفها، بل بالعكس تماما. فالمدرسة تأتي على رأس المؤسسات المركزية التي يزيد منسوب عدم التوافق حولها، لتحضر بدلها الفرقة الواضحة، مقارنة بمؤسسات أخرى، بعد أن نفضت الفئات الشعبية يدها من المدرسة العمومية، التي لم تعد مغرية لها بعد أن استسهلت نوع «النجاح» الذي يحصل أبناؤها داخلها. عبر شهادات جامعية من دون قيمة اجتماعية فعلية، توجههم مباشرة نحو البطالة والأجور الضعيفة في حالة النجاح والحصول على منصب عمل لا يخرجهم من دائرة الفقر. لنكون هنا أمام التفسير الأساسي لهذا الجفاء الذي تبديه الفئات الشعبية من المدرسة العمومية، بعد أن أيقنت أنها لم تعد قادرة على استعمالها كمصعد اجتماعي سريع، كما قامت به لسنوات بعد الاستقلال بنجاح، كان وراء تغييرات عميقة عرفها المجتمع الجزائري. لنكون امام موقف نقدي آخر نجده أكثر حضورا لدى الفئات الوسطى والميسورة التي ابتعدت هي الأخرى عن هذه المدرسة العمومية، مفضلة التوجه نحو المدرسة الخاصة والجامعة الغربية. استغلت تحكم ابنائها باللغات الأجنبية التي تعينهم على الوصول إلى أعلى المواقع الاجتماعية داخل القطاع العام والمؤسسة الخاصة والدولية، التي ستزيد من تعميق الفروق الاجتماعية داخل المجتمع الجزائري. لصالح هذه الفئات المحظوظة.
باختصار المدرسة العمومية بما تتطلبه من مواظبة على الدروس وانتظام لطول السنة، لم تعد تغري الكثير من أبناء الفئات الاجتماعية لأسباب مختلفة. الذكور منهم على وجه الخصوص، عكس البنات، اللائي ما زلن مرتبطات بها أكثر، كما يبينه عدد الجامعيات الحاصلات على اعلى الشهادات – مهندسات – حقوقيات -طبيبات الخ، بمن فيهن بنات الفئات الشعبية. بنات وجدن في الجامعة العمومية ضالتهن للخروج من المواقع الدونية التي تقترحها القيم الاجتماعية والثقافية السائدة في المجتمع الجزائري عليهن. في حالة الابتعاد المبكر عن هذه المدرسة، رغم كل عيوبها. عكس الذكور الذين عبروا عن نقدية أكبر من هذه المدرسة العمومية. ففضلوا الابتعاد عنها في مرحلة ما قبل المرحلة الجامعية. لصالح الدخول المبكر لسوق العمل، اتجاه قد تلتحق به البنت – الكثير من المؤشرات بدأت في البروز لدعم هذا المنحى – إذا استمرت الاتجاهات نفسها داخل المدرسة العمومية التي قلّت اغراءاتها للجميع بدرجات متفاوتة.
إذا كان المجتمع بمختلف قواه الاجتماعية قد عبر عن موقفه النقدي من المنظومة التعليمية، فإن الغائب الأكبر يبقى الموقف الرسمي الذي ما زال مترددا وخائفا من اتخاذ موقف والمبادرة بالإصلاح المطلوب، بسبب التخوف من الكلفة السياسية العالية لأي عملية إصلاح لهذه المنظومة التعليمية، بمختلف مراحلها التي يمكن أن تنتقدها الفئات الحاكمة في السر. وهي توجه أبناءها نحو المدارس الخاصة والجامعات الغربية كخيار اول. لكنها لا تجرؤ على القيام بعملية النقد علنا وبشكل رسمي، عبر حوار اجتماعي واسع يشارك فيه أصحاب المهنة والعائلة ومراكز البحث المتخصصة، التي تملك الكثير من المعطيات حول التسيير الفعلي المتهالك لهذه المنظومة، ترفض وضعها تحت تصرف الباحث والمواطن والاعلام الوطني كأرضية ضرورية، على مسار إنجاز حوار عقلاني يخرج النقاش من دائرة الأيديولوجيا والتردد إلى ساحة الفعل المنظم. قبل فوات الأوان. حوار من شروط نجاحه عدم تركه بين أيدي البيروقراطية المكلفة بتسيير الشأن التربوي. الغارقة في تفاصيل التسيير اليومي وضعف الصلاحيات والإمكانيات. قد يتطلب تدخل مراكز قرار سياسي عليا مسنودة شعبيا ـ أفكر في رئيس الجمهورية كمركز قرار، يفترض فيه عدم الانصياع بسهولة للضغوط، يبقى الوحيد القادر على المبادرة برعاية هذا الحوار الذي تتطلبه الحالة الجزائرية، لإخراجها من وضعيتها الحالية الذي تحولت فيه إلى خدمة النظام التعليمي الغربي ـ الفرنسي تحديدا تنتج له أقلية متميزة علميا يستفيد منها مجانا، لترمي بالأغلبية نحو الهدر.

ناصر جابي

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات