وصل بابا الفاتيكان إلى الجزائر وهو يحمل رسالتين مفادهما: أن بلاد القديس أوغستين لم تتنازل عن ماضيها، لم تتخلّ عن جذورها، أنّها تنظر إلى هويتها في تعدّد، بل إن هويتها كائن حيّ يتغذّى من تعدّد الرّوافد ومن تحوّلات الزّمن، ورسالة ثانية تنضوي على أن الجزائر بوسعها أن تنظر إلى المستقبل، أن تفتح نافذة تحيلها إلى استشراف ما سوف يأتي، كما إن بوسعها أن تطوي صفحة ماضٍ قريب ساد فيه ارتباك باسم الهوية أو العقيدة.
إنّها زيارة تتعدّى اليومين اللذين يقضيهما ليو الرّابع عشر في الجزائر العاصمة وعنابة، بل سيكون لها أثر يمتدّ إلى سنين مقبلة، لأنها ليست زيارة سيّاسية فحسب ولا دبلوماسية وكفى، ليست زيارة مصالح آنية من أجل الغاز أو البترول، بل هي زيارة توقظ العقول وتذكّر النّاس بما يجب أن يكون، تذكّرنا بأن الجزائر عاشت في أحسن حالاتها عندما تصالحت مع الاختلاف، وكلّما أصغت إلى الآخر رفعت من شأنها في سيرورة التّاريخ.
وكلمة «الفاتيكان» هي المتلازمة التي تتردّد في الشاشات المحلية، منذ أسبوع، بل رافقها كذلك فضول على الـ»سوشيال ميديا». فهذه البلاد المجهرية، التي يمكن أن نطوف جنباتها في دقائق معدودات باتت على كلّ الألسنة، ورغم صغر مساحتها فإنها تسكن قلوب ما يزيد عن المليار نسمة من الكاثوليكيين. وقد تسابقت الفضائيات، في الأيّام الأخيرة، إلى استضافة شخصيات مسيحية في برامجها، تفرد لها الحقّ في الكلام وفي بثّ سعادة أعينهم بهذه الزّيارة، فأعاد الجزائريون اكتشاف أنفسهم واكتشاف بلدهم، بل من المشاهدين من أدرك للمرّة الأولى بأن المسيحيين يعيشون في بيتنا في أمان، كما إن من المفارقات من يكتشف أن القساوسة يسيرون في الأسواق ويتقاسمون مع النّاس خيز يومهم، بل يتكلمون بالعربية وكذلك بالعامية بطلاقة من غير حرج، كما أنهم مسيحيون جزائريون أو آخرون يحملون الجنسية الجزائرية، فقد استطاعت البلاد أن تحفظ رباطها مع أصولها، لم تتنازل عن الذين آمنوا بأوغستين كأب روحي لهم. هكذا صارت زيارة البابا سببًا بأن يستعيد الإعلام دوره، أن يتحوّل إلى كوّة نطل منها إلى حقائق مغيّبة، أن هؤلاء المسيحيون ليسوا حدثًا طارئًا بل عنصرا من خصوبة الأرض، كما لعبت الفضائيات المحلية كذلك دورًا في الدّفع بلغة التسامح الدّيني إلى الأمام، وتطايرت الصور والأصوات التي تلتقي في منطقة وسطى تتيح النّظر إلى الجزائر بوصفها بلادًا متعدّدة الألوان، لا يطغى فيها لون على حساب الآخر. أعادت الوصل مع تاريخها بما يعني أن هويتها ليست قطعة أثرية في متحف، بل هوية رحبة في تعريفها، لا تحتمل الضيق، بل تقبل الانفتاح لا الإقصاء.
فقد قام الإعلام هذه الأيام بطرق الأبواب الموصدة، وأخرج المسكوت عنه إلى النّور، حوّل زيارة البابا إلى مساحة حرّة من النّقاش ومن توسيع وجهات النّظر، كرّس لها بلاتوهات تنازلت عن اللغو في شؤون الكرة وفي الحديث عن مسائل الطّبخ والأكل، ووجهت بوصلتها إلى أحاديث تفيد بأن الجزائر صورة مكبّرة لتسامح الأديان وليست صورة مصغرة من خطاب أحادي يقصي الآخرين.
لم يعد المشاهد بحاجة أن يستقي معلوماته من الشارع بشأن هذه الزّيارة، ولا من المقاهي أو من الحارات الخلفية، بل يكفي أن يشاهد واحدًا من البرامج فيدرك أن حياته ليست حكرًا على صوت واحد، بل لها تاريخ تتشعب فيه العقائد والرّؤى والتصورات بما يجعل منه جزءا من التّجربة الإنسانية في حوض البحر الأبيض المتوسط، لا مواطنًا معزولا في محيطه.
تاريخ الكتّاب
تأتي زيارة البابا ليو الرّابع عشر في إطار جولة إفريقية، دشنها من الجزائر، ومنذ أن أعلن عنها نهاية العام الماضي، خرجت الفضائيات المحلية من الصمت إلى النّقاش، وجعلت منها منطلقًا في الكلام، من غير أن تغفل عن عنصر مهم يرافق هذه الزّيارة يتعلّق بالقديس أوغستين، لأن البابا نفسه يعتبر نفسه الابن الرّوحي لأوغستين. وفي خضم الانفتاح على هذه الزّيارة التّاريخية يسقط من الذّاكرة تفصيل مهم يستدعي الانتباه أن القديس أوغستين إنّما كاتب.
لم يكن اسمه ليطوف الأصقاع لولا الكتابة، لم يكن ليصير اسما مركزيًا في الفكر المسيحي لولا الكتابة، لم يكن ليكرس مكانته في اللاهوت والفلسفة لولا الكتابة، لولا أعماله المهمّة مثل «الاعترافات»، «مدينة الله» أو «موعظة على الجبل»، هل كان ليبلغ مقامه؟ فقد ولد في أرض الجزائر كاتب قبل 16 قرنًا ثم صار من أشهر الشخصيات في الدّنيا ولا يزال.
هكذا هي الجزائر رحم يتناسل منها كتّاب، ثم يحملون اسمها على عاتقهم ويطوفون الأرجاء، يدافعون عن ذاكرتها وعن حاضرها، فقد كان بوسع الفضائيات في الأيام الأخيرة أن تزوّد نشراتها بتفاصيل من قبيل أن أوّل كاتبة جزائرية معاصرة كانت مسيحية واسمها طاووس عمروش، وأن صوت الإذاعة في سنين الاستعمار الذي رافع من أجل الكرامة إنما مسيحي آخر وهو شقيقها الشاعر والمذيع موهوب عمروش، وأن المسيحيين كانوا جزءًا من نسيج حرب التّحرير، وأن الحكومة عقب الاستقلال ضمّت وزيرًا مسيحيًا من غير تفرقة، كان يمكن القول كذلك أن القديس أوغستين صار إلى ما صار عليه نظير شغف لا بالفكرة وحدها بل بتدوينها.
فقد صار منارة في العالم متكئًا على رصيد من الكتب، أفكارها انطلقت من الجزائر. لكنها تفاصيل يصلح أن نعود إليها سيّاق آخر، لأن الفاتيكان لا ينسى أن البلاد قد حافظت على إرث المسيحيين، والجزائر يمكن أن تردّ على رسالتي البابا برسالة واحدة مفادها: أن تسارع الأحداث في عالم ملتهب لن يجعل الجزائريين يغفلون عن روح التّسامح، وأن زيارته عتبة من أجل تكبير الصورة عن ماضٍ يستحقّ أن نستعيده ونعيد تأمّله.
سعيد خطيبي

تعليقات الزوار
لا تعليقات