أخبار عاجلة

اليمين الفرنسي المتطرف يعترض على إعادة “مدفع بابا مرزوق” أشهر رموز القوة العسكرية الجزائرية

يثير النقاش حول إعادة الممتلكات الثقافية إلى الجزائر انقساما حادا داخل الجمعية الوطنية الفرنسية، حيث برزت مواقف متعارضة بشكل واضح خلال جلسة مناقشة مشروع القانون، خاصة بشأن مدفع “بابا مرزوق” وسيوف الأمير عبد القادر، وهي قطع أثرية تطالب الجزائر باستعادتها كاملة.

وخلال الجلسة التي ترأسها نائب رئيس الجمعية كريستوف بلانشي، افتُتحت المناقشات حول مشروع القانون، الذي أُقر سابقًا في مجلس الشيوخ ضمن مسار تشريعي مستعجل، يهدف إلى “إتاحة إعادة ممتلكات ثقافية لدول حُرمت منها نتيجة استيلاء غير مشروع”، وفق ما أكدته وزيرة الثقافة كاترين بيغار في عرضها الرسمي للنص.

وأكدت الوزيرة، أن المشروع يأتي امتدادًا لتحول سياسي بدأ منذ خطاب الرئيس الفرنسي في واغادوغو سنة 2017، والذي دعا إلى “علاقة جديدة” مع الدول الإفريقية، مشيرة إلى أن الإبقاء على الوضع القائم لم يعد ممكنًا في ظل تزايد مطالب الدول باسترجاع ممتلكاتها، وظهور أبحاث تثبت أن بعض هذه القطع دخلت المجموعات الفرنسية في “ظروف قابلة للنقاش”.

وفي موقف معارض يعبر عن تيار اليمين المتطرف، عبّرت النائبة فلورانس جوبير وهي من حزب “التجمع الوطني”، عن رفض قاطع لفكرة إعادة بعض هذه الممتلكات، مؤكدة أن “بعض القطع المطالب بها هي غنائم حرب تم الحصول عليها بدماء الجنود الفرنسيين”، مستشهدة بمدفع “بابا مرزوق” الذي نُقل إلى فرنسا سنة 1830. واعتبرت أن هذه القطع “شواهد على التاريخ الفرنسي ولا يُفترض أن تُعاد”.

في المقابل، قدّم النائب بيار بريبيتِش، عن الحزب الاشتراكي، مقاربة مغايرة، حيث أقرّ بأن مدفع “بابا مرزوق” يمكن اعتباره في الأصل قطعة مدفعية عثمانية استولت عليها فرنسا خلال احتلال الجزائر سنة 1830، وبالتالي يخضع من حيث المبدأ للقوانين العسكرية. غير أنه شدد على أن وضعه الحالي يطرح إشكالًا قانونيًا مختلفًا، إذ أشار إلى أنه معروض في مدينة بريست شمالي فرنسا بعد أن تم تحويله، حيث أُضيف إليه ديك (رمز فرنسا) فوق فوهة المدفع، ما جعله يخرج من نطاقه العسكري الأصلي ويتحول إلى “رمز ذي طابع ثقافي”. وخلص إلى أن “الحد الفاصل بين الممتلك العسكري والثقافي أصبح دقيقًا جدًا”، معلنًا دعم كتلته للمشروع مع الدعوة إلى تبني تعديلاتهم، في موقف يعكس توجهًا وسطًا يسعى إلى إعادة تأويل طبيعة هذه القطع.

أما النائبة فتيحة كلوة حاشي، عن الحزب الاشتراكي ومن أصول جزائرية، فقد ذهبت أبعد من ذلك في تفكيك الطرح القائل بالطابع العسكري لهذه الممتلكات، مقدمة مثال سيوف الأمير عبد القادر، التي أوضحت أنها صُنعت في فرنسا وقدمت له كهدية، قبل أن تتحول إلى غنائم حرب خلال الاستعمار في أربعينيات القرن التاسع عشر. وأكدت أن هذه السيوف موجودة اليوم في متاحف فرنسية خلف واجهات عرض، متسائلة: “هل هي ممتلكات عسكرية؟ لا، لأنها تُعرض في متحف”، في إشارة إلى تغير طبيعتها ووظيفتها.

كما تطرقت إلى مدفع “بابا مرزوق”، معتبرة أنه ليس قطعة عسكرية، بعدما تحول إلى مجسم بارتفاع سبعة أمتار يحمل ديكًا ما يجعله، بحسب رأيها، قطعة ذات طابع ثقافي. واستندت في طرحها إلى أعمال لجنة مشتركة فرنسية-جزائرية للذاكرة، تضم مؤرخين من البلدين من بينهم بنجامان ستورا، والتي أعدت قائمة بممتلكات يُوصى بإعادتها إلى الجزائر “لتهدئة العلاقات”، وتشمل سيوف الأمير عبد القادر ومدفع “بابا مرزوق”.

غير أن هذا الطرح قوبل بمقاطعة من أحد نواب “التجمع الوطني” الذي علّق ساخرًا “أي مرجع!”، في تعبير عن رفض هذا التيار الاستناد إلى هذه اللجنة. وردّت النائبة الاشتراكية بالتأكيد على أن الإشكال يكمن في رفض إعادة هذه الممتلكات بحجة تصنيفها كممتلكات عسكرية، داعية إلى تمكين لجنة علمية من البت في كل حالة على حدى، معتبرة أن عرقلة هذا المقترح “أمر مؤسف”.

وتكشف هذه التدخلات عن جوهر الخلاف داخل البرلمان الفرنسي، حيث يتمحور النقاش حول مسألة التصنيف: هل تُعتبر هذه الممتلكات جزءًا من التراث العسكري المرتبط بالحروب، أم أنها تحولت، بفعل الزمن والسياق، إلى ممتلكات ثقافية قابلة للاسترجاع؟ ففي حين يتمسك اليمين المتطرف بمقاربة تاريخية صارمة ترفض أي إعادة، يدافع اليسار عن قراءة مرنة تأخذ بعين الاعتبار التحولات الرمزية والثقافية لهذه القطع.

ويفتح مشروع القانون في حال اعتماده نهائيا المجال أمام استرجاع الممتلكات الثقافية التي وصلت إلى فرنسا نتيجة عمليات استيلاء غير مشروعة، خاصة خلال الحقبة الاستعمارية، في خطوة تشريعية قد تمهد لإعادة عدد من المقتنيات الجزائرية ذات الرمزية التاريخية الكبيرة.

ويقضي المشروع، الذي اعتمده مجلس الشيوخ في قراءة أولى، بوضع إطار قانوني دائم يسمح بإخراج بعض الممتلكات الثقافية من الملك العمومي الفرنسي وإعادتها إلى دولها الأصلية إذا ثبت أو رجّحت الأدلة أنها انتُزعت بطرق غير مشروعة، مثل النهب أو المصادرة أو الإكراه خلال الفترات الاستعمارية أو النزاعات المسلحة.

ويستهدف القانون تعديل قانون التراث الفرنسي عبر استحداث آلية استثنائية تتيح إعادة هذه المقتنيات عندما تمثل عناصر أساسية من التراث الوطني للدول المطالبة بها، مع تحديد شروط دقيقة لقبول طلبات الاسترجاع، من بينها أن يكون الممتلك قد نشأ في أراضي الدولة المطالبة وأن يكون قد استُولي عليه بين سنتي 1815 و1972.

ويمكن هذا الإطار القانوني الجزائر من المطالبة باسترجاع عدد من القطع التاريخية البارزة التي تحتفظ بها فرنسا منذ الحقبة الاستعمارية، وفي مقدمتها مدفع “بابا مرزوق”، أحد أشهر رموز القوة العسكرية للجزائر في العهد العثماني، والذي استولت عليه القوات الفرنسية بعد احتلال الجزائر سنة 1830 ونقلته إلى ميناء بريست حيث لا يزال معروضا إلى اليوم.

كما يشمل الملف الجزائري متعلقات شخصية للأمير عبد القادر، قائد المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي، مثل سيفه وبرنسه وعدد من مقتنياته الخاصة، إضافة إلى أسلحة وأعلام ووثائق تاريخية تعود إلى عاصمته “الزمالة”، وهي قطع موزعة حاليا بين متحف الجيش في باريس ومتاحف ومؤسسات ثقافية أخرى.

وتطالب الجزائر أيضا باستكمال استرجاع جماجم ورفات قادة المقاومة الشعبية التي نقلت إلى فرنسا خلال القرن التاسع عشر وحُفظ جزء منها في متحف الإنسان بباريس، رغم إعادة دفعة منها سنة 2020، فضلا عن مطالب باسترجاع وثائق ومخطوطات وأرشيفات تاريخية تعتبرها الجزائر جزءا من ذاكرتها الوطنية.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات