أخبار عاجلة

مع السعودية ضد ترامب

منذ عقود تنظر منطقة الشرق الأوسط إلى السعودية باعتبارها الشقيقة الكبرى. وتنتظر المنطقة مستعجلة مواقفها في كل أزمة من الأزمات الحادة التي مرت بها.
كان الموقف السعودي دائما ضروريا، لطمأنة من يبحثون عن طمأنة، أو ليتأكد الذين لديهم مواقف وآراء سلبية من السعودية من أنهم على صواب.
إلا أن الأمور اختلفت هذه المرة وأصبحت السعودية هي التي بحاجة للآخرين.
عدا عن القصف اليومي التي نالها بالصواريخ والمسيّرات الإيرانية، تعرضت السعودية إلى ضغوط هائلة للزج بها في الحرب.
الولايات المتحدة سعت، وستسعى إذا ما عادت الحرب بعد هدنة الأسبوعين، لجرِّ السعودية حتى تأخذ الحرب طابع “حرب العرب أيضا وليس أمريكا وحدها”، وكذلك لحرق أيّ أمل في تقارب محتمل بين السعودية وإيران.
إسرائيل أيضا لديها مصلحة في الزج بالسعودية في الحرب. لو تحققت أحلام إسرائيل ودخلت السعودية الحرب كان ذلك سيصبح بمثابة الجائزة الكبرى التي لا تقل قيمة عن جائزة “صفقة القرن”. دخول السعودية الحرب يضعها في حلف واحد مع إسرائيل، ويدشن بشكل ما بداية التقارب بينهما. كما يعني مزيدا من العزلة الإقليمية لإيران ومزيدا من الضغط الحربي والاستراتيجي، وكما سيجعل الحرب، من منظور إسرائيلي، كما في الحالة الأمريكية، تأخذ طابع “حربهم هم أيضا وليست حربنا وحدنا”.
عدا عن حسابات أمريكا وإسرائيل، دخول السعودية الحرب يعني أنها تضع كل مشاريعها وخططها التنموية على الرف وتتفرغ لإحصاء الدمار والعواقب الوخيمة التي تفرضها الحرب، أيّ حرب. وبعد نهاية الحرب ستخرج منهكة اقتصاديا وماليا، عاجزة عن استئناف مسار التنمية بالزخم ذاته.
حتى الآن يبدو أن السعودية نجحت في تفادي الفخاخ التي تنصب لها. قبل هذه الجولة نجحت بفضل “التسويف” في ربح الوقت وملاعبة فخ التطبيع مع إسرائيل إلى أن أنقذها السابع من أكتوبر 2023. في ذلك اليوم تحررت الرياض من الضغط، إذ فقدَ الحديث عن التطبيع جدواه بينما إسرائيل تبيد غزة، ومنحها ذلك ورقة واقعية لتقول لا للتطبيع، الآن على الأقل. ولا أحد يلومها.
لكن إلى متى ستصمد السعودية؟ هذا ما يحتاج الذين لطالما لجأوا إلى المملكة طلبا لموقف أو مساعدة أن يستعدوا له ولاحتمال أن القادم من الضغط على المملكة كبير يجعلها في حاجة للدعم.
منذ اليوم الأول للحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، لم يمر أسبوع لم أقرأ في صحف أمريكية كبرى أن السعودية “تشارك في الحرب”، وذلك “وفق مصادر رفضت الكشف عن هويتها لأنها ممنوعة من التصريح في قضايا حساسة”. إياك أن تُصدّق أن هذه التسريبات عمل صحافي بريء. ثق أن أمريكا تحارب أعداءها بالـ”بي 52″ والأسلحة الفتاكة الأخرى، وبـ”أكسيوس” و”سي إن إن” و”واشنطن بوست” وغيرها.
بدوره لم يُقصّر الرئيس دونالد ترامب في الضغط على ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. فكلما سُئل عن السعودية، قال بلا تردد أنها تشارك في الحرب، على الرغم من أنها غالبا لا تشارك، بشكل مباشر على الأقل.

لكن ترامب مضى خطوة خطيرة في فجوره. كلامه السوقي بحق ولي العهد السعودي دليل على أنه لا يستسيغ أن أحداً يرفض له طلبا. ذلك الكلام الخارج عن كل أدب وذوق إدانة لقائله أكثر منها للموجه إليه، وإشارة على أن ترامب فاقد للقدرة على الإقناع، فما أن يصطدم برفض حتى يقفز إلى الشتائم والقاذورات اللفظية، كما فعل مع العديد من قادة العالم، وقبل بضعة أيام مع قادة إيران.
من المهم ملاحظة أن ترامب لم يُدل بذلك الكلام بسبب عدم مشاركة السعودية في الحرب على إيران، ولكن لأن بن سلمان ماطل في ركوب قطار التطبيع مع إسرائيل. والمماطلة في ركوب القطار تعني تأخير المشاريع الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة، وربما إفسادها.
إلى هذا يجب إضافة ما فعلته السعودية في نهاية العام الماضي في اليمن: طرد الإمارات وإفشال خطط انفصال الجنوب وفق الرؤية الاستعمارية للشرق الأوسط الجديد. التدخل السعودي الحاسم أكبر من مجرد نسف لخطط إماراتية. لقد كان بمثابة حمّام بارد للحسابات الإسرائيلية (ومن ورائها الأمريكية)، وأولها التطبيع الذي وعد به رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي. في تصريحات لوسائل إعلام إماراتية قبل شهور من تطورات الجنوب وحضرموت، وعد عيدروس الزبيدي بانضمام دولة الجنوب، بعد قيامها، إلى “الاتفاقيات الإبراهيمية”. يعرف الزبيدي المطلوب منه، فهو لم يعد اليمنيين المحتاجين للسلام والكرامة والخدمات الحيوية، وإنما وعد الإسرائيليين بالتطبيع معهم، خصوصا وقد كانوا آنذاك على وشك الاعتراف بما تسمى “جمهورية أرض الصومال” المجاورة وإقامة علاقات كاملة معها.
الذين شمتوا في بن سلمان، والذين استغربوا كيف لم يرد على بذاءات ترامب كانوا يريدون فرجة تسليهم قليلا. إنهم بحاجة إلى النظر أبعد من العبارات السوقية الصادرة عن ترامب. أبعد من تلك العبارات، وأخطر، هناك التهديد الصريح للسعودية. حبذا لو يدرك هؤلاء أن ترامب وعصابته لا يريدون للسعودية أن تصبح قوة اقتصادية واستراتيجية، ولهذا لن يتركوها وشأنها إلى أن تركب منبطحة قطار “الاتفاقيات الإبراهيمية” كما فعل آخرون.
هناك الكثير من أسباب الاختلاف مع السعودية ونهجها الجديد. وهناك أيضا الكثير من دواعي العتب، المشروع والموضوعي، على السعودية وسلطاتها لمن أراد أن يعتب. لكن هذه قضايا خلافية قابلة للنقاش وستبقى، عكس الشر الذي يحاك ضد السعودية: لا خلاف حوله وغير قابل للنقاش.
المآخذ لا يجب أن تكون ذريعة للتشفي في المملكة وتمني أن تنفرد بها أمريكا وإسرائيل. لا أرى أيّ مصلحة لأحد في المنطقة إذا ما تضررت السعودية، وأيّ دولة عربية أخرى.
التسلط على السعودية هو قرار آجل بإذلال الجميع.

توفيق رباحي

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات