أخبار عاجلة

مؤرخ: العلاقات بين الجزائر وباريس “مَرَضية”

في مقابلة مع مجلة “لوبوان” الفرنسية، ردّ المؤرخ الفرنسي المتخصص في تاريخ المنطقة المغاربية المعاصر، Pierre Vermeren (بيير فَرْمَران)، على مجموعة أسئلة حول العلاقات الفرنسية–الجزائرية ومستقبلها المحتمل، واصفًا إياها بأنها “علاقة مَرَضية” ما تزال محكومة بإرث الاستعمار وبموضوع “الذاكرة” الذي تستثمره الجزائر سياسيًا ـ بحسبه ـ مقابل شعور فرنسي مزمن بالذنب التاريخي.

أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة باريس 1 بانتيون-سوربون، أوضح أن الأزمة بين البلدين لا تقتصر على خلافات دبلوماسية ظرفية، بل تعود إلى بنية تاريخية معقدة جعلت العلاقة غير متوازنة. فقد شهدت العلاقات الثنائية بين البلدين تحولات حادة خلال فترات مختلفة، من التقارب النسبي في مرحلة ما بعد الاستقلال وفي عهد الرئيس شارل ديغول، إلى التوتر المتصاعد في العقود الأخيرة، خصوصًا مع توظيف الذاكرة الاستعمارية ـ وفقه ـ في الخطاب السياسي الجزائري، وتزايد الخلافات حول قضايا الهجرة والتعاون الأمني والمواقف الإقليمية.

واعتبر المؤرخ أن الجزائر تستفيد من التوتر القائم عبر توظيف ملفات الهجرة والذاكرة والضغط السياسي. في المقابل، تجد فرنسا نفسها عاجزة عن بلورة سياسة حازمة ومستقرة تجاه هذا الملف.

 

وزعم أن الحركة الاحتجاجية السلمية الكبرى المعروفة باسم الحراك، التي بدأت عام 2019، أدت داخل النظام الجزائري إلى رد الفعل نفسه الذي أعقب نهاية ما وصفها بالحرب الأهلية في التسعينيات، والمتمثل في الحاجة إلى إيجاد عدو خارجي لصرف الانتباه عن الصعوبات الداخلية.

ولهذا السبب – يضيف المؤرخ الفرنسي- تتهم الجزائر أجهزة الاستخبارات الفرنسية بالتدخل. وبحسبه فقد تبدو الحيلة واضحة، لكنها تنجح، على حد تعبير، معتبراً أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سئم من سلوك النظام الجزائري في السنوات الأخيرة، بما في ذلك الإغلاق التدريجي للأسواق الجزائرية أمام الشركات الفرنسية، ومن سلسلة التصرفات غير الودية تجاه فرنسا، مثل رفض استعادة غير المرغوب فيهم من الجزائريين بموجب أوامر مغادرة الأراضي الفرنسية، وعدم التعاون في المجالات الأمنية، ودعم الروس ضد فرنسا في مالي، والدعاية المعادية لفرنسا، واعتقال الصحافي الفرنسي كريستوف غليز وفرنسيين من أصل جزائري في الجزائر، وغيره.

واعتبر أنه في نهاية المطاف، انحاز ماكرون إلى الطرح المغربي الداعي إلى تعاون متجدد، مشروط بالاعتراف الفرنسي بالسيادة المغربية على الصحراء، وهو ما زاد من حدة التوتر الدبلوماسي مع الجزائر.

بين الجزائر والمغرب

ورداً على سؤال حول مدى إمكانية أن تحافظ فرنسا على علاقات جيدة في الوقت نفسه مع الجزائر والمغرب؟، قال المؤرخ إنه توجد علاقة ثلاثية بين هذه الدول، لكن فرنسا ليست مضطرة للاختيار بين المغرب والجزائر، مشيراً إلى أن جاك شيراك، الذي انتُخب رئيساً عام 1995، أقام علاقات جيدة جداً مع البلدين إلى غاية صدور قانون عام 2005 الذي اعترف بـ“الدور الإيجابي للوجود الفرنسي فيما وراء البحار، ولا سيما في شمال إفريقيا”. وقد كانت علاقته في البداية جيدة مع بوتفليقة، واستغرق وقتاً طويلاً ليدرك تشدد السياسة الجزائرية تجاه فرنسا، رغم أنه كان قد ساعد الجزائر في حربها ضد الإسلاميين خلال الحرب الأهلية.

وتابع المؤرخ الفرنسي القول إن النظام الجزائري يُريد الحفاظ في آن واحد على ورقة الهجرة وعلى التحكم في الإسلام الخاص بالمهاجرين من أصل جزائري في فرنسا وأبنائهم. أما مسألة الذاكرة التاريخية فهي في الواقع ثانوية. أما فرنسا، فلديها مصلحة في إقامة علاقة طبيعية مع الجزائر، تتيح لها إعادة المواطنين الجزائريين غير المرغوب فيهم   إلى بلدهم، وتكريس إسلام فرنسي لم يعد ينبغي أن يعتمد على الشؤون الدينية في الجزائر.

ورأى المؤرخ أنه من مصلحة فرنسا أن تتعامل مع الجزائر باحترام، ولكن دون ضعف، كدولة عادية لا تدين لها بشيء. فصحيح أننا نشهد حالياً، بعد أكثر من عام من الجمود، استئنافاً خجولاً من قبل الجزائر لاستقبال بعض مواطنيها غير المرغوب فيهم في فرنسا. لكن العدد ما يزال كبيراً، حيث يُقدّر حالياً بنحو 100 ألف أمر بمغادرة الأراضي الفرنسية ساري المفعول يخص جزائريين في فرنسا.

غير أن فَرْمَران اعتبر أن هذه النية الطيبة المحدودة، بحسبه، تندرج ضمن حسابات سياسية أوسع، بما في ذلك رغبة الجزائر في التأثير في المناخ السياسي الداخلي الفرنسي، مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية لعام 2027، والتي بدأت حلمتها بالفعل.

أي سيناريوهات؟

رداً على على سؤال “لوبوان” حول السيناريوهات الممكنة للعلاقات بين باريس والجزائر؟، قال المؤرخ الفرنسي إن هناك أولاً احتمال “أورَبة”

(نسبة إلى أوروبا) الملف، موضّحاً أن إيطاليا وألمانيا، اللتان نجحتا في تأمين إطلاق سراح الكاتب بوعلام صنصال، تربطهما علاقات جيدة جدًا مع الجزائر. لكنه أوضح في الوقت نفسه أن الفرنسيين يرفضون هذا الحل.

كما تحدث فَرْمَران عن خيار آخر يتمثل في تطبيع العلاقات عبر وضع الاتفاقيات السابقة جانبًا مؤقتًا، ولا سيما اتفاقيات الهجرة لعام 1968، ثم الدخول في مرحلة إعادة تفاوض.

ومع ذلك – يضيف المؤرخ الفرنسي- فإن العلاقة بين فرنسا والجزائر متدهورة إلى درجة أنه لا يمكن استبعاد قطع العلاقات الدبلوماسية؛ مُعتبراً أن الجزائر ستكون الخاسر الأكبر في ذلك، لكنها إذا رأت أن مصالحها الأساسية مهددة، خاصة في حال إلغاء اتفاقيات عام 1968، فقد تعيد توجيه تدفقات الهجرة نحو إسبانيا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا، على حد زعمه.

وزعم فَرْمَران أن “جزءًا من المؤسسة العسكرية الجزائرية يرغب في قطع الروابط مع فرنسا للتخلص من “شبح الوصاية الاستعمارية” وهو في نظر البعض مجرد تصور ذهني. وأن مثل هذا الانفصال قد يتيح لفرنسا استعادة السيطرة على الإسلام في فرنسا، وهو أمر ليس بسيط الأهمية”.

تأثير زيارة بابا الفاتيكان؟

وحول الدور الذي قد تلعبه الزيارة المرتقبة لبابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر من الـ 13 إلى 15 أبريل/ نيسان الجاري على مستوى العلاقات الفرنسية الجزائرية، استبعد المؤرخ الفرنسي أن يكون لها أي تأثير يُذكر، موضّحا أن الدبلوماسية الفاتيكانية لا تهم كثيرًا الإليزيه ولا وزارة الخارجية الفرنسية، حتى وإن كانت الجزائر قد انتقدت الرئيس ماكرون لزيارته الفاتيكان عشية الرحلة البابوية، حيث تحدثت الصحافة الجزائرية أن قضية الصحافي كريستوف غليز المسجون في الجزائر، من ضمن الملفات التي حملها ماكرون معه.

وبحسب المؤرخ فإن الفاتيكان فقد “أخذ مسافة من فرنسا منذ حرب الجزائر، وأنه لا جدوى، في المقابل، من جرح مشاعر الجزائريين عبر العودة إلى تلك الفترة السوداء التي يرغبون في نسيانها، خاصة أن استحضارها سيعيد التذكير بالعلاقة بين فرنسا الاستعمارية في الجزائر والكنيسة، في حين أن البابا يسعى إلى التوجه نحو المستقبل بكنيسته. وعلى الرغم من صغر حجمها، فقد أصبحت هذه الكنيسة بالفعل عالمية في الجزائر، حيث تضم رجال دين من أصول عربية ولاتينية وأوروبية وآسيوية”.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات