أعلنت الجزائر عن مشروع ضخم لمد خط سكة حديدية لنحو 2000 كيلومتر، يربط العاصمة بمدينة تمنراست في أقصى الجنوب، على أن يدخل حيز الخدمة نهاية عام 2028، في خطوة تعكس تحركاً متأخراً نحو تحديث قطاع النقل.
ويأتي المشروع الذي وصفه الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون بـ"رهان القرن"، في سياق سعي رسمي لإعادة تشكيل خريطة النقل الداخلي وتعزيز الربط الاقتصادي بين شمال البلاد وجنوبها.
ورغم الأهمية الاستراتيجية لهذا المشروع، إلا أنه يفتح باب التساؤلات حول توقيت إطلاقه، خاصة في ظل امتلاك الجزائر لثروة نفطية هائلة كان من الممكن أن تترجم في وقت مبكر إلى بنية تحتية متطورة، فالمشروع يبدو، في قراءة أوسع، محاولة للحاق بركب التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، وعلى رأسها التجربة المغربية التي حققت قفزة نوعية في تحديث البنية التحتية للنقل بمختلف أنواعه.
ويمتد الخط السككي الجديد عبر مسارات صحراوية شاسعة، مارا بعدد من المحافظات، بينها الأغواط وغرداية والمنيعة وعين صالح، وصولاً إلى تمنراست. وتؤكد السلطات الجزائرية أنه (المشروع) لن يقتصر على نقل البضائع، بل سيشمل أيضاً نقل المسافرين، بما يسهم في فك العزلة عن مناطق داخلية ظلت لسنوات خارج شبكة النقل الحديثة.
غير أن هذا التوجه، رغم طموحه، يأتي في وقت كانت فيه دول مجاورة قد سبقت بخطوات واسعة في هذا المجال، فالمغرب، على سبيل المثال، نجح خلال السنوات الماضية في بناء شبكة نقل متكاملة تشمل قطارات فائقة السرعة، وتوسيع المطارات، وتحديث الموانئ، ضمن رؤية استراتيجية شاملة تستهدف تعزيز الاقتصاد الوطني وتحقيق العدالة الاجتماعية.
ويرى مراقبون أن المشروع الجزائري لا يمكن فصله عن محاولات استنساخ نماذج ناجحة في المنطقة، وفي مقدمتها النموذج المغربي، الذي أصبح مرجعاً في تطوير البنية التحتية ومرافق الخدمات، فقد استطاع المغرب، عبر رؤية ملكية واضحة، أن يحول قطاع النقل إلى رافعة أساسية للتنمية، ما انعكس إيجاباً على جاذبية الاستثمار وتحسين جودة الحياة.
كما أن الربط بين المشاريع السككية الجزائرية، مثل خط غار جبيلات – وهران، ومشروع العاصمة – تمنراست، يشير إلى توجه نحو بناء شبكة وطنية متكاملة، خاصة في ما يتعلق بنقل الموارد المنجمية وربطها بالموانئ، إلا أن هذا التوجه، رغم أهميته، لا يزال في طور التأسيس مقارنة بما تحقق في دول أخرى بالمنطقة.
ويبدو أن الجزائر، التي اعتمدت طويلاً على عائدات الطاقة، بدأت تدرك ضرورة تنويع اقتصادها وتحديث بنيتها التحتية لمواكبة التحولات العالمية، غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إطلاق المشاريع، بل في سرعة تنفيذها، وجودة إنجازها، وقدرتها على تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي ملموس.
ويمثل مشروع السكة الحديدية الجديد خطوة مهمة في مسار تحديث النقل في الجزائر، لكنه في الوقت ذاته يعكس فجوة زمنية في تبني هذا النوع من المشاريع مقارنة بجيرانها. وبينما تتحرك الجزائر اليوم لبناء شبكاتها، يكون قطار التحديث في المنطقة قد انطلق منذ سنوات، واضعاً معايير جديدة للتنافس في مجال البنية التحتية والتنمية المستدامة.
وبين طموح اللحاق وإرث التأخر، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح الجزائر في تحويل هذا المشروع إلى نقطة تحول حقيقية، أم أنه سيظل مجرد محاولة للحاق بقطار انطلق بالفعل؟
وتعكس التحركات الأخيرة للرئيس الجزائري إلى جانب حزمة المشاريع المعلنة، رغبة واضحة في إحداث تحول عميق داخل الاقتصاد الوطني، خاصة على مستوى تحديث البنية التحتية التي تعاني من التآكل وتؤثر بشكل مباشر على قدرة البلاد في استقطاب الاستثمارات الأجنبية.
وهذه الرغبة تبدو، في ظاهرها، تعبيراً عن إرادة سياسية جادة لإعادة ترتيب الأولويات وبناء أرضية تنموية أكثر توازناً، إلا أنها تصطدم بواقع معقد يحدّ من سرعة التنفيذ ويضع علامات استفهام حول إمكانية تحقيق النتائج المرجوة.
وتعتبر البيروقراطية المتجذرة، التي تحولت عبر السنوات إلى شبكة من التعقيدات الإدارية، تعيق المبادرات وتبطئ وتيرة الإصلاح من أبرز هذه التحديات إلى جانب الفساد الذي يظل أحد العوائق البنيوية، إذ يشكل إرثاً ثقيلاً تراكم عبر عقود من حكم الحزب الواحد، حيث غابت آليات الرقابة الفعالة وتراجعت معايير الشفافية، ما انعكس سلباً على كفاءة المؤسسات وقدرتها على تنفيذ المشاريع الكبرى وفق معايير حديثة.
كما لا يمكن فصل هذه التحديات عن الخيارات الاقتصادية السابقة، التي ركزت بشكل كبير على قطاع الطاقة، دون استثمار كافٍ لفوائض العائدات النفطية في تطوير قطاعات حيوية أخرى، فقد شهدت الجزائر فترات ازدهار مالي خلال ارتفاع أسعار النفط، عندما لامس سعر البرميل حدود 100 دولار، غير أن تلك المرحلة لم تُستثمر بالشكل الذي يسمح ببناء بنية تحتية قوية ومتنوعة. ومع الصدمة النفطية في عام 2014، حين تراجعت الأسعار إلى نحو 20 دولاراً، ظهرت هشاشة النموذج الاقتصادي القائم، وبرزت الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في مسارات التنمية.
وتبدو الجزائر وكأنها استفاقت متأخرة على التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، خاصة في المغرب، الذي استطاع خلال السنوات الماضية تحقيق قفزة نوعية في تطوير بنيته التحتية وتعزيز جاذبيته الاستثمارية. وهذا التباين الإقليمي يضع ضغوطاً إضافية على صانع القرار الجزائري، ويدفع نحو تسريع وتيرة الإصلاحات، ليس فقط للحاق بالركب، بل لإعادة تموضع البلاد ضمن خارطة الاقتصاد الإقليمي.
غير أن نجاح المشاريع المعلنة في الجزائر لم يعد رهين الخطاب السياسي أو الإعلانات الطموحة، بقدر ما يرتبط بقدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة، فالمطلوب اليوم يتجاوز إطلاق المشاريع إلى إعادة هيكلة الإدارة، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الشفافية، وبناء بيئة مؤسساتية قادرة على احتضان الاستثمار وتحفيز المبادرة.
وتحتاج الجزائر إلى صياغة رؤية واضحة تضع الداخل في صدارة الأولويات، بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة أو المقارنات الإقليمية، فصناعة قصة نجاح حقيقية لا تقوم على ردة الفعل، بل على تخطيط استراتيجي طويل الأمد، يوازن بين الطموح والواقعية، ويحول الإمكانات المتاحة إلى إنجازات ملموسة يشعر بها المواطن قبل المستثمر.

تعليقات الزوار
لا تعليقات