يثير قرار حكومي في الجزائر باللجوء إلى القضاء من أجل حلّ إحدى أبرز نقابات قطاع التربية، جدلا سياسيا واسعا ومخاوف من تراجع الحرية النقابية في البلاد، في ظل تصاعد التوتر بين السلطات العمومية والتنظيمات النقابية المستقلة.
وفي بيان أخير لها، استنكرت نقابة المجلس الوطني المستقل لمستخدمي التدريس للقطاع ثلاثي الأطوار، بشدة لجوء وزارة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، بدعم من وزارة التربية الوطنية، إلى تحريك دعوى قضائية أمام المحكمة الإدارية بتاريخ 9 آذار/ مارس 2026، بهدف حل التنظيم النقابي، معتبرة أن هذه الخطوة استندت إلى مبررات وصفتها بغير المؤسسة قانونا. وأوضحت أن من بين هذه الذرائع الحديث عن عدم مطابقة النقابة للقانون 23-02، رغم تأكيدها استيفاء جميع الالتزامات الإجرائية، إضافة إلى مسألة “عدم توفر التمثيلية”، في وقت لم يتم فيه، حسبها، الفصل في آليات تطبيق هذا المعيار.
كما أشارت النقابة إلى اتهامها بعدم الامتثال لأحكام قضائية، مؤكدة أنها لم تتلق أي تبليغ رسمي بها، فضلا عن الطعن في شرعية منسقها الوطني، وهو ما اعتبرته محاولة لتحييد التنظيم والتشكيك في شرعيته القانونية والميدانية، بغرض تفادي حوار اجتماعي “جاد ومسؤول”، واستبداله بما وصفته بمنطق الردع وتكميم الأفواه.
وفي السياق، نددت النقابة بما قالت إنها ضغوط إدارية وإكراهات قضائية يتعرض لها المنسق الوطني، مع رفض قاطع لمحاولات عزله عبر ما يسمى بـ”التقاعد القسري”، الذي اعتبرته إجراء خارج الأطر القانونية واعتداء على إرادة القاعدة النقابية التي انتخبته، مؤكدة أن هذا القرار يمثل “عقوبة مقنعة” بسبب نشاطه النقابي.
كما استهجنت ما وصفته بالممارسات الإدارية التعسفية، مستدلة بمراسلة وزارية مؤرخة في 6 نيسان/ أبريل 2026، تقضي بعدم التعامل مع المنسق الوطني عشية انعقاد جمعيتها العامة، معتبرة ذلك تدخلا مباشرا في شؤونها الداخلية ومخالفة للقواعد القانونية، خاصة مبدأ عدم رجعية القرارات.
وبناء على هذه المعطيات، أعلنت الجمعية العامة تمسكها بالمنسق الوطني بصفته الممثل الشرعي والناطق الرسمي باسم النقابة، مع الشروع في اتخاذ جميع الإجراءات القانونية للطعن في القرارات التي وصفتها بالتعسفية، والاستعداد لخوض المسار القضائي لإبطال ما تعتبره مساسا بالتنظيم النقابي، مؤكدة أن الاتهامات الموجهة تفتقر إلى الأساس القانوني.
كما جددت التزامها بقراراتها السابقة، لاسيما مواصلة مرافقة المنسق الوطني والأمين المكلف بالإدارة، والاستمرار في تنظيم وقفات احتجاجية داخل المؤسسات التربوية يومي الأحد والأربعاء، بالتزامن مع تنقل ممثليها إلى محكمة حمام الضلعة بولاية المسيلة (جنوبي البلاد)، في إطار الرقابة القضائية المفروضة عليهما منذ أكثر من سنة.
وسجلت النقابة ما وصفته بتدهور الوضع المهني للأساتذة، نتيجة ضغط البرامج وضيق الزمن البيداغوجي، معتبرة أن ذلك يعيق تحقيق الأهداف التربوية، كما أعربت عن قلقها من استمرار ما قالت إنه “جر للأساتذة إلى أروقة المحاكم” وغلق أبواب الحوار على مستوى مديريات التربية، إضافة إلى ما وصفته بتصاعد التعسف الإداري والتضييق، بما في ذلك “قطع الأرزاق” في بعض الحالات.
وفي ختام بيانها، حملت النقابة وزارة التربية الوطنية مسؤولية تبعات هذه السياسات، مؤكدة أن “كنابست” ليست مجرد هيكل إداري يمكن حله بقرار، بل امتداد لنضال نقابي راسخ. كما ناشدت رئيس الجمهورية التدخل لحماية الحريات النقابية، داعية الأساتذة إلى دعم نقابتهم.
في المقابل، لم يصدر لحد الآن بيان من وزارة التربية الوطنية يشرح مبرراتها، غير أن ما ورد في عريضة الدعوى، وفق ما نقلته النقابة، يشير إلى استناد السلطات إلى عناصر قانونية تتعلق بالمطابقة مع القانون المنظم للعمل النقابي، ومعايير التمثيلية، والامتثال للأحكام القضائية، إضافة إلى مسائل تتعلق بشرعية قيادة النقابة.
وعلى المستوى السياسي، أثار هذا التطور ردود فعل سريعة من أحزاب معارضة، عبّرت في مجملها عن تخوفها من انعكاسات القرار على واقع الحريات النقابية.
فقد أعربت جبهة القوى الاشتراكية عن “بالغ قلقها” للقرار، مع إدانتها بشدة الضغوط والمتابعات القضائية التي تستهدف نقابة “كنابست”، معتبرة أنها بلغت درجة خطيرة وصلت إلى محاولة حل المنظمة. وأكدت دعمها الكامل للنقابة ومنخرطيها ومنسقها الوطني مسعود بوديبة، مشيرة إلى أنه يواجه إجراءات وصفتها بالتعسفية، من بينها التنقل المتكرر إلى ولاية المسيلة في إطار الرقابة القضائية، ومحاولة إحالته على التقاعد القسري.
وذكرت الجبهة بأن التنظيمات النقابية تمثل هيئات وسيطة أساسية لضمان الاستقرار، محذرة من أن إضعافها يشكل مساسا بالتوازنين الاجتماعي والسياسي. كما جددت رفضها للقوانين المؤطرة للنشاط النقابي وحق الإضراب، معتبرة أنها تقييدية وتتعارض مع روح الدستور، ودعت إلى مراجعتها بما يكفل حماية الحريات النقابية.
كما نددت بما وصفته بالاستخدام التعسفي للسلطة القضائية لتقييد الحياة العامة، محذرة من “انزلاقات” قد تؤدي إلى مزيد من التوتر والانقسام، ودعت السلطات إلى تغليب منطق الحوار السياسي والاجتماعي، باعتباره السبيل للحفاظ على الاستقرار، مع التأكيد على أن احترام الحريات الأساسية شرط لبناء دولة قوية.
من جهته، وصف حزب العمال الخطوة بأنها “بالغة الخطورة وغير مسبوقة” في تاريخ الحركة النقابية الجزائرية، مشيرا إلى أنها جاءت عشية امتحانات نهاية السنة وفي سياق انطلاق العملية الانتخابية الخاصة بالتشريعيات. وأعرب الحزب عن قلقه من التداعيات المحتملة لهذا القرار، خاصة في ظرف يتطلب، حسب بيانه، تعزيز التماسك الاجتماعي.
وأكد الحزب تضامنه الكامل مع قيادة ومناضلي “كنابست”، مشيرا إلى أنهم سيلجأون إلى كل الوسائل القانونية للدفاع عن حقوقهم النقابية، مع الحرص على عدم التدخل في شؤون العدالة، والاكتفاء بالتنبيه إلى خطورة السياق العام.
بدوره، اعتبر التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية أن ما يحدث في قطاع التربية يتجاوز كونه نزاعا إداريا أو اجتماعيا، ويمثل “هجوما ممنهجا” على الحريات النقابية. وأشار إلى أن الوقائع، كما تم عرضها، تدل على وجود مسار يرمي إلى حل النقابة، بالتوازي مع ضغوط ومتابعات قضائية تستهدف منسقها الوطني، في محاولة لفرض إبعاده تحت غطاء “التقاعد القسري”.
ورأى الحزب أن هذه الممارسات تعكس إرادة لتهميش الأصوات المستقلة وإضعاف أطر التعبير الجماعي، مما يؤدي إلى إفراغ الحوار الاجتماعي من مضمونه. وحذر من أن استهداف نقابة تمثل قطاعا استراتيجيا كالتربية يضعف مجمل الحركة النقابية ويمس بأسس دولة القانون.
كما دعا التجمع إلى التخلي الفوري عن إجراءات حل النقابة، ووقف المتابعات ضد النقابيين، ووقف ما وصفه بتجريم العمل النقابي، مؤكدا أن الدفاع عن حقوق العمال ليس جريمة بل ركيزة أساسية في أي نظام ديمقراطي.
وفي الأشهر الأخيرة، سجّلت عدة متابعات قضائية في حق نقابيين بارزين. فقد وُضع كل من مسعود بوديبة، المنسق الوطني لنقابة “كناباست”، وبوبكر هابط، الأمين الوطني للنقابة نفسها، تحت الرقابة القضائية منذ نحو سنة ونصف، إثر مشاركتهما في وقفة احتجاجية أمام مديرية التربية بولاية المسيلة، للمطالبة بمراجعة النظام التعويضي ورفع المنح والعلاوات.
كما تم مؤخرا إحالة النقابية يمينة مغراوي، رئيسة الكنفدرالية العامة للنقابات المستقلة، إلى محكمة القطب السيبراني، بعد أشهر من التحقيق، بتهمة “نشر أخبار كاذبة من شأنها المساس بالأمن العمومي”، بموجب المادة 196 مكرر من قانون العقوبات، على خلفية منشورات وتصريحات تتعلق بأنشطة نقابية. كما أثار حبس النقابي لونيس سعيدي، الأمين العام للفيدرالية الوطنية لعمال السكك الحديدية، موجة جدل واسعة في الأوساط السياسية والنقابية في الجزائر، في تموز/ يوليو الماضي، قبل أن يفرج عنه لاحقا.
وتأتي كل هذه القضايا وسط جدل متزايد حول قانون الحق في الإضراب الجديد، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2023، ويُعدّ من بين أكثر القوانين إثارة للجدل في الأوساط النقابية. إذ يفرض القانون مسارًا طويلًا ومعقدًا قبل اللجوء إلى الإضراب، يشمل إخطار مفتشية العمل، وتنظيم محاضر صلح، واستنفاد كل وسائل الوساطة، مع إلزامية التصويت الداخلي داخل النقابة على قرار الإضراب، بشروط مشددة تتعلق بنسبة المشاركة والموافقة. وتعتبر النقابات المستقلة أن هذه الشروط تمثل عمليًا عرقلة للحق في الإضراب، رغم أن الدستور الجزائري يضمن صراحة في مادته 69 حق الإضراب في إطار القانون.

تعليقات الزوار
لا تعليقات