أخبار عاجلة

تفجيرات البليدة تكشف عن ضعف استخباراتي ومنظومة جزائرية غارقة في الاستعراض الإعلامي فقط

في دجنبر الماضي، تحدث السفير الممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة، عمار بن جامع، أمام مجلس الأمن، منتقدا المنظومة الأممية الخاصة بمكافحة الإرهاب، داعيا إلى تطويرها وتحديث آليات عملها عبر الاستعانة بتجربة بلاده، حينها لم تكن السلطة المدنية والعسكرية في هذا البلد المغاربي تعتقد أنها ستقفُ أمام امتحان عسير بعد بضعة أشهر من ذلك، لتجد نفسها عمليتين انتحاريتين وسط أهم المدن الجزائرية.

ولم يكن أشد المتشائمين في الجزائر، بحكم القبضة الأمنية، يتصور سيناريو مثل ذلك الذي حصل يوم أمس الاثنين في مدينة البليدة، المجاورة للعاصمة، ففي الوقت الذي كان فيه الرئيس عبد المجيد تبون يستقبل بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر، ضمن أولى محطات جولته الإفريقية، توجه شخصان نحو مقر أمني ومصنع للمواد الغذائية وقاما بتفجير نفسيهما.

الواقعتان أصبحتا ثابتتين، بعدما وثقتهما العديد من الصور والفيديوهات لكاميرات المراقبة المثبتة في محيط موقعي التفجيرين، وكذا هواتف المارة، الذين وجدوا أنفسهم أمام أشلاء المهاجمين وأجساد الضحايا، دون أي تفسير رسمي، لكن أيضا من خلال تأكيد منظمة الاتحاد الإفريقي ومنابر إعلامية دولية ذات مصداقية، مثل وكالة الأنباء الفرنسية.

أخطر ما في الأمر، هو أن العمليتين تزامنتا مع زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر، وما رافق ذلك من إجراءات أمنية واستخباراتية يفترض أنها مشددة، وهو ما يفسر الحرج الواضح الذي تعاني منه السلطات الجزائرية إلى الآن، إذ لم تتفاعل بأي شكل من الأشكال مع ما حدث، سواء بالتأكيد أو النفي، مع حصار إعلامي تام شاركت فيه جميع المنابر المحلية.

في ظل ذلك، تبقى الصورة الأقرب للوضوح بخصوص ما وقع هو سيناريو وجود اختراق أمني خطير في توقيت حساس، من طرف أشخاص ينتمون فكريا إلى تنظيمات متطرفة، والذين يوصفون عادة بـ"الذئاب المنفردة"، على اعتبار أنهم يقومون بالتخطيط والتنفيذ بشكل ذاتي، أحادي غالبا، وهذه المرة اختاروا توقيتا حساسا، وكان الهدف هم عناصر الأمن.

هذا الأمر أحال إليه أكرم خريف، الذي يقدم في وسائل الإعلام الجزائرية والعربية على أنه "خبير متخصص في قضايا الدفاع والأمن"، والذي أكد، بدايةً، وقوع الهجوم المزدوج بمدينة البليدة عبر تدوينتين على حسابه بموقع "فيسبوك"، قبل أن يتحدث عن أن الأمر يتعلق بهجمات بواسطة عبوات ناسفة عبر انتحاريين يعملان بشكل منفرد.

وأورد خريف أن "كل المؤشرات تدل على أن العملية من تنفيذ إرهابيين مبتدئين تم تجنيدهم عبر الإنترنت"، وتابع أن "الصور من موقع الهجوم، وجثة أحد المنفذين، تشير إلى أن الأحزمة الناسفة كانت ضعيفة جدا وبدائية الصنع"، على اعتبار أن "التأثير الأكبر كان على أجسادهم، وحتى هذا التأثير كان محدودا، كما أن الأضرار في محيط 10 أمتار كانت ضعيفة جدا"، مضيفا "يبدو الأمر كأنه تصنيع بدائي اعتمادا على مخططات تم الحصول عليها أو العثور عليها على الإنترنت".

وأورد الخبير الجزائري استنادا إلى المعطيات التي يمكن تقديمها "بناء على ما هو ظاهر"، أن العملية "ذات هدف إعلامي، وربما من تنفيذ مجموعةٍ صغيرة جدا أو ذئابٍ منفردة"، وتابع "لا أعتقد حتى أن التنظيم الإرهابي التقليدي، الذي يكافح حاليا من أجل البقاء في مناطق نائية من البلاد، هو من يقف وراءها، إذ من مصلحته حاليا التزام الحذر وانتظار مرور العاصفة أو الاستفادة من إجراءات عفو محتملة".

ومهما كانت خلفيات الهجومين والجهات المنفذة وحتى النتائج، فإن الثابت أنهما وضعا المنظومة الأمنية والاستخباراتية الجزائرية تحت المجهر، فمشاهد التفجير والأشلاء، المسكوت عنها على المستوى الرسمي على الرغم من انتشارها عبر منصات التواصل الاجتماعي، ثم عبر منابر إعلامية دولية بعد التحقق منها، أعادت إلى الأذهان مشاهد "العشرية السوداء".

وأصبح الشك يحوم حول نجاعة البنية الأمنية الداخلية في الجزائر، التي يفترض أنها تستند إلى خبرة طويلة تعود إلى فترة الحرب الأهلية والتعامل مع الجماعات المسلحة خلال الفترة من 1992 إلى غاية 2002، ثم "الحرب على الإرهاب" التي يخوضها الجيش إلى جانب الأجهزة الأمنية في العديد من المواقع النائية جنوب البلاد، وخصوصا على الحدود مع دول الساحل.

إلى جانب ذلك، فإن وصول انتحاريين إلى موقعين حساسين في مدينة تبعد عن العاصمة بأقل من 50 كيلومترا، بالتزامن مع زيارة البابا، يدفع إلى التساؤل حول "جدية" عمل الأجهزة الأمنية والعسكرية الجزائرية، التي تركز منذ سنوات على "معركة" أخرى ذات طبيعة "كيدية" على الحدود مع المغرب، متسببة في إزهاق أرواح العديد من الأشخاص بواسطة الرصاص الحي.

وما يزيد موقف السلطات الجزائرية تعقيدا، هو التسويق الرسمي والإعلامي لـ"التجربة الجزائرية" في مجال "مكافحة الإرهاب"، لدرجة أنها، في يناير من سنة 2025، عرضت على الدول الإفريقية "خبرتها" في هذا المجال، على اعتبار أنها "نجحت في القضاء على الإرهاب، لكنه "لا يزال موجودا في أماكن أخرى"، وفق ما جاء على لسان سفيرها لدى الأمم المتحدة في نيويورك، عمار بن جامع.

وبن جامع هو أيضا الذي دعا أمام مجلس الأمن، في دجنبر من العام نفسه، إلى "إصلاح منظومة الأمم المتحدة الخاصة بمكافحة الإرهاب" متحدثا عن "ضرورة تحديث وتطوير" الأدوات التي تعتمدها المنظمة "لمواجهة هذه الظاهرة المتنامية"، متطرقا إلى " الإنجازات الرئيسية التي تحققت تحت القيادة الجزائرية"، كما قدم "توصيات جوهرية لتطوير مستقبل منظومة مكافحة الإرهاب الأممية"، وفق ما نقلته عنه وسائل إعلام رسمية.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات