أخبار عاجلة

منع “التجوال السياسي” في الجزائر يعيد ترتيب حسابات المنافسة في التشريعيات

أخلط قرار السلطة الوطنية للانتخابات في الجزائر، بمنع المنتخبين الحاليين من الترشح للانتخابات البرلمانية في غير أحزابهم الأصلية، أوراق العديد من الراغبين في الترشح في أحزاب جديدة، كما أنه ألغى تقليدا لدى الأحزاب الكبيرة في استقطاب كفاءات من خارج مناضليها لإعداد قوائم قوية.

قبل أقل من ثلاثة أشهر عن موعد الاستحقاق التشريعي المرتقب في 2 تموز/يوليو المقبل، أعاد قرار سلطة الانتخابات ترتيب حسابات الفاعلين السياسيين وأثار نقاشا بين السياسيين حول أبعاده القانونية والسياسية. واستندت السلطة في توضيحاتها التي وردت في البيان الذي أصدرته الخميس، إلى أحكام القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، لا سيما المادة 202 منه، التي تنظم كيفية إعداد القوائم الانتخابية تحت رعاية حزب سياسي أو أكثر.

وذكّر البيان بأن المنتخبين الذين ترشحوا وفازوا في انتخابات سابقة تحت راية حزب سياسي، سواء على المستوى المحلي أو الوطني، ويزاولون عهدتهم الانتخابية، يتم احتسابهم ضمن عدد المنتخبين الذي يتوفر عليه الحزب في الدائرة الانتخابية المعنية. وبناء على ذلك، شددت السلطة على أنه يتعين على هؤلاء، في حال رغبتهم في الترشح للانتخابات التشريعية المقبلة، أن يكون ترشحهم حصريا تحت رعاية الحزب السياسي الذي انتخبوا على أساسه.

وبررت السلطة هذا الإجراء بطبيعة الرزنامة الانتخابية، حيث تتم عملية الفصل في صحة الترشيحات خلال الأشهر الثلاثة التي تسبق نهاية العهدة الحالية، ما يفرض، حسبها، الحفاظ على نفس الانتماء الحزبي للمنتخبين خلال هذه المرحلة، تجنبا لأي تلاعب أو تغيير قد يؤثر على توازنات التمثيل السياسي داخل الدوائر الانتخابية.

ويعني هذا القرار عمليا غلق الباب أمام المنتخبين الحاليين الراغبين في تغيير أحزابهم قبل الانتخابات، إلا في حال العودة إلى أحزابهم الأصلية، أو البحث عن صيغ أخرى للترشح خارج الإطار الحزبي، وهو ما قد يطرح إشكالات قانونية وتنظيمية، خاصة بالنسبة للمنتخبين المحليين.

ويأتي هذا التوجه في انسجام مع ما حمله مشروع قانون الأحزاب الجديد، الذي شدد بدوره على منع ما يعرف بـ”التجوال السياسي”، أي انتقال المنتخبين بين الأحزاب خلال العهدة الانتخابية. ونص المشروع على إجراءات صارمة في هذا الشأن، قد تصل إلى شطب العضو من قوائم الحزب في حال مخالفته، في مسعى لإرساء انضباط حزبي أكبر، والحد من ظاهرة طالما أثارت انتقادات في الساحة السياسية.

وفي أولى ردود الفعل، اعتبر أحمد صادوق، نائب رئيس حركة مجتمع السلم، في تصريح لـ”القدس العربي”، أن القرار “إيجابي”، لأنه يندرج ضمن مسعى “أخلقة الحياة السياسية”، ويعزز “النضالية الحزبية”.

وأوضح صادوق أن التزام المناضلين بأحزابهم “يقوي التنظيمات السياسية”، ويعكس “احترام الإرادة الشعبية والثقة التي منحها الناخبون للمنتخب تحت اسم حزب معين”، معتبرا أن القرار من شأنه تعزيز الانضباط الحزبي. وأقر في المقابل بأن هذا الإجراء قد يحدث “بعض البلبلة” داخل القوائم، خاصة أن بعض الأحزاب “اشتغلت منذ سنة أو سنتين على استقطاب كفاءات من أحزاب أخرى”، غير أن القرار، حسبه، “يقطع الطريق على هذا الأسلوب الذي يعتبر ضارا وغير منطقي”.

وأشار المتحدث إلى أن الأحزاب تستثمر في تكوين مناضليها وكفاءاتها، ومن غير المقبول، حسب رأيه، أن تغادر هذه الكفاءات نحو أحزاب أخرى “تحت طائلة الإغراء أو الوعود”، كما كان يحدث في السابق، مؤكدا أن حركته “تثمن عاليا هذا القرار” وتراه “خطوة رئيسية في الاتجاه الصحيح”.

في المقابل، قدم النائب عن جبهة التحرير الوطني، أحمد ربحي، قراءة تفسيرية موسعة للقرار، حاول من خلالها تفكيك أبعاده القانونية، مميزا بين حالتين أساسيتين. وأوضح أن السلطة المستقلة استندت إلى المادة 202 من قانون الانتخابات، التي تتعلق أساسا بكيفية التزكية، “ولم تتطرق صراحة إلى مسألة التجوال السياسي”.

وفيما يخص الحالة الأولى، المتعلقة بالبرلمانيين الحاليين، أشار ربحي إلى أن هذا الشرط “ليس جديدا” بالنسبة لهم، لأن الدستور، في مادته 120 (وفق تعديل 2020)، ينص على تجريد النائب الذي يغير انتماءه الحزبي طوعا من عهدته النيابية بقوة القانون، باستثناء حالات الاستقالة أو الإبعاد من الحزب. ولفت إلى أن العهدة الحالية تستمر إلى غاية 7 يوليو 2026، وأن استدعاء الهيئة الناخبة هو إجراء تنظيمي، ما يفرض على النائب الراغب في الترشح أن يبقى ضمن حزبه.

وأضاف أن النائب الذي يقدم استقالته من الحزب يصبح في وضعية “عدم انتماء”، ما قد يتيح له، حسب تقديره، الترشح ضمن قائمة حرة، باعتبار أن القوائم المستقلة “لا تعبر عن انتماء حزبي”، وهو ما يطرح، حسبه، تمييزا بين “التجوال السياسي” كانتقال بين الأحزاب، والترشح الحر.

أما في الحالة الثانية، المتعلقة بالمنتخبين في المجالس البلدية والولائية، فرأى ربحي أن قرار السلطة “منعهم دون نص قانوني صريح”، قد يدخل في إطار “استشراف قادم الأيام”، خاصة في ظل وجود مادة جديدة في مشروع قانون الأحزاب (المادة 24) تمنع التجوال السياسي، لكنها “لم تصدر بعد في الجريدة الرسمية”، وبالتالي لم تكتسب بعد أثرها القانوني.

وتساءل ربحي عن مصير المنتخبين المحليين الذين غيروا انتماءاتهم الحزبية خلال العهدة الحالية “بمباركة من بعض الأحزاب”، وما إذا كانوا سيجردون من عهداتهم، رغم أن عهدتهم تنتهي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، معتبرا أن بيان السلطة جاء “كإشارة مسبقة” أو “رادار” لتنبيه الفاعلين السياسيين.

ورغم انتقاده لبعض الجوانب القانونية، شدد ربحي على أن التجوال السياسي “يتنافى مع أخلاقيات العمل السياسي”، ويمثل “خيانة لثقة الناخبين”، داعيا إلى تعزيز الوعي السياسي لدى المواطنين، الذين “يصوتون أحيانا للأفراد لأسباب شخصية”، بدل البرامج الحزبية.

من جهته، أبدى النائب الآخر عن جبهة التحرير الوطني، بدر الدين دوكاني، موقفا أكثر تحفظا، معتبرا أن السلطة المستقلة “أخطأت في بيانها”، خاصة في ما يتعلق بتفسيرها لمسألة التجوال السياسي. وأوضح أن القانون يعاقب على الترحال السياسي بفقدان الصفة النيابية، لكنه “لا ينص صراحة على منع الترشح لعهدة جديدة تحت راية حزب آخر”.

وأضاف أن فرض مثل هذا الشرط قد يعد “إضافة لقيد جديد” لم يرد في النصوص التشريعية، وهو ما يطرح، حسبه، إشكالا يتعلق بحدود صلاحيات السلطة المستقلة، التي تظل “هيئة إدارية تنظيمية” مهمتها الأساسية السهر على شفافية الانتخابات، وليس “تفسير القوانين بشكل يضيف شروطا جديدة”، وهو اختصاص يعود، بحسبه، إلى المحكمة الدستورية أو المشرّع.

وكانت السلطة الوطنية للانتخابات فور استدعاء الهيئة الناخبة قد شرعت في ضبط الإطار التنظيمي للعملية الانتخابية، حيث أكدت في هذا السياق أن حق تقديم القوائم الحزبية دون جمع التوقيعات يقتصر على الأحزاب التي حققت نسبة تفوق 4 بالمائة في الانتخابات التشريعية السابقة، أو التي تمتلك عشرة منتخبين على الأقل في الدائرة الانتخابية المعنية.

في المقابل، ألزمت الأحزاب التي لا تستوفي هذه الشروط، وكذا التشكيلات التي تقرر دخول الانتخابات لأول مرة، بجمع توقيعات الناخبين، وفق قاعدة 150 توقيعا عن كل مقعد مطلوب شغله، وهو إجراء فرض نفسه بشكل خاص على الأحزاب التي كانت قد قاطعت انتخابات 2021. كما شددت على أن التحالفات الحزبية لا يمكن أن تستخدم لتجميع النسب أو عدد المنتخبين لتجاوز هذه العتبة، معتبرة أن كل حزب يُقيّم بشكل مستقل.

وبخصوص القوائم الحرة، أوضحت أنها تخضع لنفس شرط التوقيعات، مع بعض التخفيف في الدوائر الانتخابية بالخارج. كما حددت شروط الترشح الفردية، من بينها السن الأدنى (25 سنة)، والتسجيل في القوائم الانتخابية، وحيازة الجنسية الجزائرية، وتسوية الوضعية تجاه الخدمة الوطنية والضرائب، مع استبعاد من صدرت بحقهم أحكام في قضايا خطيرة أو ثبت ارتباطهم بالمال الفاسد أو التأثير على نزاهة الانتخابات.

وفي ما يتعلق بتشكيل القوائم، فرضت السلطة احترام التوازنات، عبر تخصيص ثلث المقاعد للنساء، ونصفها للشباب دون سن الأربعين، مع اشتراط مستوى جامعي لجزء من المترشحين، إضافة إلى إلزامية تقديم قوائم احتياطية. كما فتحت عملية سحب ملفات الترشح عبر التنسيقيات الولائية والممثليات الدبلوماسية، بالتوازي مع إطلاق مراجعة استثنائية للقوائم الانتخابية خلال شهر أبريل، قصد تمكين المواطنين، داخل الوطن وخارجه، من تسوية وضعياتهم والمشاركة في هذا الاستحقاق.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات