أخبار عاجلة

عندما ذهبت للبحث عن نقابة لم تعد موجودة في الجزائر

حصل هذا عندما انطلقت في إنجاز بحث حول الظاهرة النقابية في القطاع الخاص الصناعي الجزائري، الذي يسيطر على أكثر من ستين في المئة من اليد العاملة، أجيرين اثنين من ثلاثة، في تجربة تنموية كانت لوقت قريب تقدم نفسها كتجربة «اشتراكية»، يقودها القطاع العام المملوك للدولة. تميز بتجربة نقابية تشبه الكثير من التجارب التي عرفتها المنطقة العربية، لغاية ستينيات القرن الماضي، كما عاشتها دول مثل مصر العراق وسوريا، إذا اكتفينا بهذه الحالات المعروفة.
تجربة بحث عن نقابة لم تعد موجودة على أرض الواقع، داخل القطاع الخاص المغلق أمام البحث الأكاديمي، مقارنة بالقطاع العمومي، أعود للحديث عنها بمناسبة الذكرى السبعين لتكوين الاتحاد العام للعمال الجزائريين 1956- -والإعلان عن عودة اجتماعات الثلاثية، بعد عقد كامل من الغياب، كمحطة للقاء بين الفاعلين الاجتماعيين الثلاثة ـ حكومة -أرباب عمل ونقابات – احتكر التمثيل العمالي فيها النقابة الرسمية (الاتحاد العام للعمال الجزائريين) عقدا كامل. تغير فيه المشهد النقابي العمالي، وذلك الممثل لأرباب العمل. لم يتخلص فيه النظام السياسي من تبعات أزمته الناتجة عن هزة الحراك الشعبي التي تعرض لها بداية من فبراير 2019.

نظام يصر في خطابه السياسي ونصوصه السياسية – القانونية على طابع الدولة الاجتماعي الذي ورثه عن مرحلة ما بعد الاستقلال كثقافة سياسية مرتبطة بجيل، من دون إقناع، نتيجة الممارسات الفعلية على الأرض، التي تكذب هذا الادعاء جراء التحولات الاقتصادية الاجتماعية العميقة التي يعيشها المجتمع، كانت وراءها سياسة هذا النظام .لا يمكن ان تخفيها تلك القرارات الاجتماعية التوزيعية التي تهدف إلى ترقيع المشهد عبر سياسة اجتماعية وهي توزع السكن الاجتماعي، أو ترفع أجور بعض العمال في محاولة الحفاظ على القدرة الشرائية لبعض الفئات الشعبية والوسطى، التي تدهورت أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية بشكل يمكن التأكد منه بالعين المجردة.
مقابل الاتجاهات الثقيلة الموازية التي تظهر على شكل بروز قوى اجتماعية مالكة كبيرة ومتوسطة في الريف والمدينة في القطاع الزراعي.. الصناعي والخدمات انطلق الكثير من المؤشرات عن حضورها القوي داخل المشهد الاجتماعي، بعد تقلص دور الدولة الاقتصادي. تتحكم على الأرض في الحياة الاقتصادية بفرض منطق الاقتصاد غير الرسمي، على الممارسات المالية التي لم تعد المؤسسات البنكية الرسمية تسيطر عليها إلا جزئيا، كما يظهر بجلاء على مستوى سعر صرف العملة الوطنية، التي يتم التعامل بها بسعرين، واحد رسمي منخفض وثاني غير رسمي مرتفع هو السائد عمليا على مستوى السوق الداخلي والخارجي في المعاملات التجارية. وضع مالي اقتصادي زاد في غموض وتضارب مستوى التحكم في مؤشرات الاقتصاد الوطني التي تنشرها بشكل غير منتظم مؤسسات الدولة المكلفة بتسيير الوضع الاقتصادي.
على المستوى السياسي الأمور أكثر تعقيدا، كانعكاس لهذه الخيارات الاقتصادية التي لم تصل بعد إلى مداها النهائي. ونحن نعاين تلك الصعوبات التي تجدها مؤسسات النظام في التحكم في الحياة السياسية عبر الغطاء القانوني ـ السياسي الذي اختارته. استمر في منطقه الأحادي عقودا بعد الإعلان عن التعددية السياسية شكليا. سنعود فيه لمناقشة حالة النقابات التي اختفت عمليا داخل القطاع الاقتصادي الخاص. كما اكتشفت بشكل متأخر وأنا المتخصص في مثل هذه القضايا بعد إنجاز بحث حول الظاهرة منذ ثلاث سنوات. رغم سيطرة القطاع الخاص على التوظيف كما بينا ذلك-61 في المئة من اليد العاملة تشتغل في هذا القطاع. في وقت استمر فيه العمل النقابي داخل القطاع العام بشكله المعروف عنه. وضع يجعل القوة العاملة الرئيسية في الجزائر، الحاضرة في القطاع الخاص، كما هو حال الفئات غير المؤهلة والنساء وأصحاب المواقع المهنية الهشة من الشباب العامل، من دون تأطير نقابي كانت الجزائر معروفة به تاريخيا، يستحيل معه الكلام عن دولة اجتماعية، إذا عرفنا نوعية الممارسات السائدة في القطاع الخاص الذي يسيطر داخله منطق الاقتصاد غير الرسمي على أكثر من مستوى، على غرار توزيع الأجور والحماية القانونية وعلاقات العمل التي يهمين فيها رب العمل كطرف على حساب الطرف العمالي. لا يساعد غياب العمل النقابي داخله على التخلص من آثاره، أو التخفيف منه على الأقل، خاصة ونحن نعرف ما يميز صاحب العمل الخاص في الجزائر من توجهات فكرية سياسية ـ تنظيمية تهمل البعد الاجتماعي للملكية الخاصة، التي طورتها الرأسمالية ذاتها في المجتمعات الغربية المتطورة تحت ضغط العمل النقابي والدولة الاجتماعية. باختصار رب العمل الخاص في الجزائر مقتنع قناعة راسخة بأنه حر داخل ملكيته يعمل فيها ما يشاء لاحق للمجتمع والدولة في التدخل فيه.
قوى مالكة زاد حجمها وحضورها على المستوى المجتمعي على أرض الواقع، رغم التنافس الذي تجده من قبل بيروقراطية الدولة، الرافضة لكل استقلالية لأي قوى اجتماعية منافسة، كما يظهر على مستوى أكثر من مؤشر سياسي، رغم الروابط السوسيو- سياسية الحاضرة على أرض الواقع بين هاتين القوتين المهيمنتين في الحالة الجزائرية، مع كل ما ينجر عن هذا الصراع بينها من حالة ركود سياسي وتفخيخ من الداخل لمؤسسات الدولة الوطنية التي تتصارع داخلها هذه القوى للسيطرة عليها بشكل غير شفاف يتم الاستعانة فيه بكل المستويات الاجتماعية ـ الاقتصادية والتقليدية المعتمدة على العائلة والعرش والانتماءات الجهوية، يسود اثناءها الحديث عن «أعيان». ليكون الحزب السياسي أول ضحايا هذا الصراع، بالاختراق الكبير الذي يعيشه من قبل هذه القوى الاجتماعية الحاضرة ماليا واجتماعيا. كما أصبحت تعبر عن نفسها خلال لحظة الانتخابات التشريعية والمحلية، التي عاد من خلالها رجال الأعمال بهذه المواصفات التي تكلمنا عنها إلى احتلال مواقع مهمة في تأطيرها، والاستفادة منها ولو بشكل غير مباشر. يمكن ان تصبح اتجاها ثقيلا سائد إذا استمرت المعطيات نفسها. في حالة نجاح السيطرة التي يريد فرضها على الحزب السياسي محليا ووطنيا منذ سنوات. جزء منها يتم عبر المال السياسي ـ الموصوف بالفاسد في الخطاب السياسي- الإعلامي الرسمي – الذي تتخوف من سطوته بيروقراطية الدولة. وضع لم تطفو للسطح كل تعبيراته ونتائجه، لكنه مؤهل للتحول إلى اتجاه ثقيل سيرمي ظلاله على الساحة السياسية الوطنية، كما هو حاصل في تجارب سياسية مشابهة للحالة الجزائرية على غرار الحالة المصرية.
غياب النقابات وضمورها على الساحة الاجتماعية بين الأجيال الشابة، في مجتمع تزداد فيه قوة الاستقطاب الاجتماعي، يرشح الحالة الجزائرية إلى الدخول في منطق الصراع الاجتماعي العنيف، أمام غياب مؤسسات الوساطة كالنقابة والحزب والجمعية والحياة السياسية والإعلامية التعددية، بمختلف قنوات تصريف الصراع التي يتعامل بها أي مجتمع متناقض المصالح، يعيش حالة حراك اقتصادي ـ اجتماعي غير متحكم فيه كليا.

ناصر جابي

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات