أخبار عاجلة

تنسيق عسكري ليبي تشادي على الحدود الجنوبية

تشهد الحدود الجنوبية لليبيا حراكا عسكريا متسارعا يعكس حساسية الشريط الحدودي في ظل الاضطرابات التي تضرب دول الجوار وتنامي نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية، حيث أعلنت رئاسة الأركان البرية التابعة لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر الاتفاق مع الجيش التشادي عن آلية عمل مشتركة لتأمين الحدود، وذلك خلال اجتماع رسمي عقد عند النقطة 35 بحضور قيادات عسكرية من الجانبين، في خطوة تأتي امتدادا لمسار تنسيقي بدأ منذ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي ويتقاطع مع تطورات ميدانية معقدة شهدها معبر التوم والمثلث الحدودي الرابط بين ليبيا وتشاد والنيجر.
وقالت رئاسة الأركان في بيان نشر عبر صفحتها على فيسبوك، إن الاجتماع حضره آمر المنطقة العسكرية الجنوبية اللواء مبروك سحبان، وآمر القوة المشتركة العميد عبد الفتاح بوزيان، ورئيس أركان القوات التشادية ومعاونه، إلى جانب عدد من القيادات العسكرية، حيث جرى بحث آليات تعزيز التنسيق الميداني وتنظيم العمل المشترك بما يضمن ضبط الحدود والحد من التحركات غير النظامية، وأضافت أن اللقاء أسفر عن الاتفاق على جملة من النقاط المنظمة لآلية العمل المشترك وإقامة مراسم رسمية إيذانا ببدء تنفيذ المهام، مؤكدة اختتام الزيارة بعودة الوفد إلى الأراضي الليبية دون تسجيل أية ملاحظات وفي أجواء وصفتها بأنها عكست روح التفاهم والتنسيق القائم بين الجانبين.
ويأتي هذا التطور استكمالا لإعلان صدر في 13 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بشأن تشكيل قوة مشتركة بين قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر والجيش التشادي في إطار ما قيل إنه تعاون لتأمين الحدود المشتركة من العصابات المارقة وقطاع الطرق والمهربين، وأوضحت البيانات حينها أن الخطوة جاءت بتوجيه من صدام حفتر مع تكليف رئاسة أركان القوات البرية وإدارة حرس الحدود والدوريات الصحراوية التابعة لكتيبة سبل السلام بمباشرة تنفيذ المهام الميدانية ضمن القوة المشتركة، كما أعلن في 27 من الشهر نفسه عن اتفاق قادة القوة على تكثيف التنسيق الميداني وتطوير تبادل المعلومات وتعزيز الوجود الأمني على امتداد الحدود الليبية التشادية.
التحرك الأخير لا يمكن فصله عن التوترات التي شهدها معبر التوم الحدودي نهاية كانون الثاني/يناير الماضي عندما تعرضت مواقع تتمركز بها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر لهجوم مسلح أسفر عن سقوط قتلى وجرحى وأسرى وفق بيانات تلك القوات، بينما تحدثت روايات أخرى عن سيطرة مؤقتة لمجموعات مسلحة على بعض النقاط قبل انسحابها، وهو ما أعاد تسليط الضوء على هشاشة الوضع الأمني في أقصى الجنوب الغربي وعلى طبيعة الصراع المرتبط بالمعابر ومسارات التهريب.
ويمثل معبر التوم الواقع عند ملتقى الحدود الليبية مع النيجر وتشاد نقطة استراتيجية بالغة الحساسية نظرا لارتباطه بحركة التجارة غير النظامية وعبور المهاجرين وشبكات تهريب الوقود والسلع، وقد أعلنت قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر لاحقا استعادة السيطرة عليه وطرد من وصفتهم بالمليشيات، في وقت تداولت فيه وسائل إعلام تشادية روايات متضاربة بشأن الهجوم وهوية منفذيه، ما عكس تشابك الملف الحدودي بين أبعاد محلية وقبلية وإقليمية.
تسيير دوريات مشتركة
وفي موازاة ذلك أفادت مصادر عسكرية بتسيير دوريات مشتركة داخل المثلث الحدودي الذي يربط ليبيا وتشاد والسودان بهدف إغلاق مسارات التسلل والإمداد والتهريب، لا سيما مع تصاعد تأثيرات الصراع الدائر في السودان على الأمن الإقليمي، حيث تحولت بعض المسارات الصحراوية إلى ممرات مفتوحة لتحركات جماعات مسلحة وعناصر عابرة للحدود، وهو ما يضاعف الضغوط على المناطق الجنوبية التي تعاني أصلا من ضعف الخدمات وندرة الإمكانات.
التحركات العسكرية تتقاطع أيضا مع سياق سياسي أوسع يتعلق بملف الحركات التشادية المتمردة التي سبق أن اتخذت من الجنوب الليبي ملاذا ومجالا للتحرك، إذ أثارت تقارير سابقة مخاوف من محاولات توحيد صفوف بعض تلك الحركات وعقد اجتماعات خارج تشاد، بالتزامن مع تعثر مسارات تفاوضية رعتها أطراف إقليمية ودولية، وفي ظل دعوات أممية متكررة إلى انسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا دون إحراز تقدم ملموس في هذا الملف رغم اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة 5 زائد 5 خلال السنوات الماضية.
وتشير معطيات متداولة إلى أن بعض الجماعات التشادية المسلحة لا تزال تحتفظ بوجود في عمق فزان وعلى مقربة من مسارات تهريب وسلاسل إمداد تمتد باتجاه السودان، ما يجعل أي ترتيبات أمنية على الحدود الجنوبية رهينة بتوازنات دقيقة بين اعتبارات محلية وتحالفات عابرة للحدود ومصالح اقتصادية غير مشروعة ترتبط بتجارة الذهب والسلاح والوقود.
وفي السياق ذاته، جاء الحراك الدبلوماسي الأمني بعد لقاء جمع اللواء المتقاعد خليفة حفتر برئيس جهاز المخابرات العامة المصري حسن رشاد في بنغازي بحضور قيادات عسكرية، حيث ناقش الطرفان تطورات الأوضاع الليبية وانعكاسات الملفات الإقليمية على الأمن المشترك، في زيارة وُصفت بأنها الثانية خلال أقل من ستة أشهر، وهو ما يعكس اهتماما إقليميا متزايدا بما يجري في الجنوب الليبي باعتباره بوابة لتفاعلات أوسع تمتد إلى الساحل والصحراء.
وكانت قاعدة معطن السارة الجوية شهدت منتصف شباط/فبراير حادث تحطم مروحية أثناء تنفيذ مهمة إخلاء طبي، في واقعة أعادت تسليط الضوء على أهمية القاعدة كنقطة ارتكاز لوجستي في أقصى الجنوب، كما شهدت المنطقة نهاية يناير توترا أمنيا عقب سيطرة مجموعة مسلحة من التبو على منفذ بوابة التوم الحدودي قبل إعلان قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر استعادة السيطرة عليه، وسط حديث عن وجود مهبط طيران قريب يعرف بكورو أركيني استخدم في أنشطة غير قانونية ومحاولات لفرض نفوذ على مساحات حدودية واسعة.
هذه التطورات تعكس سعيا لإعادة ترتيب المشهد الأمني في الجنوب الليبي في وقت تتزايد فيه المخاوف من امتداد تداعيات الأزمات الإقليمية وعلى رأسها الصراع في السودان والتجاذبات داخل تشاد إلى عمق الأراضي الليبية، كما تبرز حجم التحدي المرتبط بضبط الحدود في ظل الانقسام السياسي ووجود حكومتين متنافستين وضعف الإمكانات اللوجستية واتساع الرقعة الجغرافية.
وبينما تؤكد البيانات الرسمية أن التنسيق مع الجيش التشادي يهدف إلى إغلاق المنافذ أمام المهربين والعصابات المسلحة وتعزيز الاستقرار، يرى متابعون أن نجاح أي ترتيبات أمنية يظل مرهونا ببناء تفاهمات أوسع تشمل مختلف المكونات المحلية ومعالجة جذور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في الجنوب، إذ تبقى المعابر الحدودية في ظل الظروف الراهنة نقاط تماس قابلة للاشتعال في أي لحظة ما لم تقترن الإجراءات العسكرية بمسار سياسي وتنموي يحد من اقتصاد الظل ويعيد للدولة قدرتها على بسط نفوذها الفعلي على كامل أراضيها.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات