أخبار عاجلة

البروفيسور علي بن ساعد يغوص في البحث عن سبب تقديم الانتخابات الرئاسية في الجزائر

نشر الباحث الجامعي الجزائري البروفيسور علي بن ساعد تحليلا على موقع “ميديا بارت” الفرنسي بعنوان “ماذا يخفي تقديم الانتخابات الرئاسية في الجزائر؟ قال فيه إنه تم الإعلان عن هذا التقديم عبر بيان صحافي بسيط عقب اجتماع ترأسه الرئيس عبد المجيد تبون في 21 مارس/ آذار الماضي، حيث تم تقديم موعد الانتخابات الرئاسية الجزائرية بنحو ثلاثة أشهر، من ديسمبر/ كانون الأول إلى سبتمبر/ أيلول 2024.

واعتبر أن هذا الإعلان كان مفاجئًا ومرتجلًا، وخاصة أنه تم اتخاذ القرار مع اقتراب نهاية الولاية الرئاسية، دون تقديم أي مبرر. وأكد أنه “من الصعب تصديق أنه في ظل هذه المهلة القصيرة، أن الهدف هو تحقيق نتائج انتخابية لأن النظام كان دائماً قادراً على فرض النتائج التي تناسبه. فحتى في ظل الوضع غير المواتي بشكل استثنائي للحراك، لم يتردد في إعطاء نتائج انتخابية لمرشحه (مرشحيه) رغم أن زيفها كان واضحا. لذلك فلم يكن داعيا للاستعجال في الانتخابات وخلق حالة استثنائية”.

وبحسب الكاتب فمثل هذا الإجراء “يأتي بثمن سياسي باهظ: صورة النظام الذي لم يجد الاستقرار ولا المركزية، والذي يتصرف على مرأى من الجميع بالارتجال. وحتى داخل الأوساط غير المعادية له، فإن هذا يثير الحيرة وعدم الفهم، خاصة أن أصحاب القرار لا يحاولون حتى تبرير القرار. وعلى المستوى الدولي، حيث فقدت البلاد نفوذها إلى حد كبير، فإن ذلك يؤكد حالة عدم الاستقرار المؤسسي وخطر أن يؤدي ذلك إلى تحويلها إلى مركز لعدم الاستقرار الإقليمي”.

وبرأي الباحث فإنه “لا يمكن تبرير مثل هذا الثمن بمجرد الحاجة الوحيدة إلى فرض مرشح ما، خاصة وأن النظام أصبح أقل حاجة للقيام بذلك من أي وقت مضى بعد أن حظر في الواقع جميع الأنشطة السياسية وأسكت جميع الأصوات المعارضة، حتى داخله، بقمع لا هوادة فيه”.

ووفقه “لن يكون مثل هذا الثمن مبرراً إلا من خلال مشروع إعادة تشكيل سياسي ومؤسسي جذري. وتشير مجموعة من القرائن المتسقة إلى أنه سيتم وضع عسكري على رأس البلاد. ومهما كان الأمر جذريًا، فإنه لن يؤدي إلا إلى إنهاء ديناميكية الاحتكار الكامل التي مارسها الجيش بالفعل لمدة خمس سنوات على الحياة السياسية في البلاد بشكل واضح ومطلوب”.

ويعتقد الكاتب أن “لهذا الاختيار مساوئ كثيرة، بما في ذلك القدرة على صدم الرأي العام، وهز بعض مؤيدي النظام، وعدم الاستفادة من دعم فصائل في التسلسل الهرمي العسكري التي تظهر انقساماتها بشكل واضح، والذي يتضح من التهميش المستمرة والمحاكمات”. ووفقه “فربما كانت هذه الانقسامات هي التي كان عليها أن تؤثر في هذا الاختيار بهدف فرض الوحدة من الأعلى مع تركيز السلطات في أيدي رجل عسكري. ومن هنا ضرورة التحرك بقوة وعلى حين غرة. وهذا من شأنه أن يفسر الرفض المستمر لتبرير هذا القرار، وإعلانه في منتصف شهر رمضان، وهي لحظة سبات للبلاد، وتحديد الفترة الانتخابية في الصيف، وهي الفترة التي تشهد بين موجات الحر والأعياد ركوداً اجتماعياً. ويتم تقليل التفاعلات السياسية”.

وبرأي الباحث “فإن الإشارة الغامضة من قبل وكالة الأنباء الرسمية للتهديدات الخارجية الغامضة هي طريقة أخرى، من خلال تسليط الضوء على القضايا الأمنية، لتعزيز اختيار عسكري (للرئاسة)”.

وبحسب الكاتب “فهذا السيناريو على طريقة السيسي (في مصر) كان دائما في الاحتياط في هيئة أركان الجيش الجزائري”. ويرى الكاتب أن هذا السيناريو “يواجه اليوم رياحاً أكثر ملاءمة من أي وقت مضى في سياق موجة ترسخ حكم الاستبداد على نطاق عالمي. فقد انتهت مرحلة الربيع العربي بشكل نهائي بإجهاض تجربته الديمقراطية الأخيرة، في تونس المجاورة، تحت ضربات قيس سعيد، حليف النظام الجزائري، بينما ضربت عدوى الانقلابات العسكرية منطقة الساحل، بالقرب من الجزائر. وسياق الاستبداد هذا، الذي يتم استلهامه وتحفيزه مع الإفلات من العقاب، لا يمكن إلا أن يكون مشجعًا للعسكريين ويضمن لهم الحصانة من الضغوط الدولية التي فقدت آثارها”.

ولاية ثانية غير محتملة لتبون

ويؤكد الكاتب “أن العديد من العناصر تشير إلى أن مسألة الولاية الثانية لتبون قد انتهت بالفعل، والسؤال الوحيد هو خلافته”. وذكر أنه “منذ أكثر من عام، أشار الصحافي القاضي إحسان، في مقال، إلى الشكوك التي كانت تحوم في هيئة أركان الجيش بشأن ولاية ثانية  لتبون. وقد أدى هذا المقال إلى الحكم عليه بالسجن لمدة 7 سنوات”.

وذكر أنه “في الآونة الأخيرة، تم التعبير عن هذه الشكوك، عبر أصوات أصبحت معارضة وبشكل علني عبر مدنيين”.

وأشار إلى أن “الإسلامي بن قرينة الناطق الرسمي باسم بعض صناع القرار (حسب الكاتب) أعلن أن تأجيل الانتخابات مطروح على طاولة صناع القرار، بينما أعلنت على الطرف الآخر لويزة حنون (يسارية تروتكسية) القريبة من صناع القرار أيضا أن الظروف غير مهيأة لإجراء الانتخابات، ما يرجح تأجيلها. ويعني كلا التصريحين أن إعادة تعيين تبون قد تم نقضها. وبخلاف ذلك، وبما أنه كان قائما بالفعل، فإن التأجيل لن يكون له أي فائدة. ويعني التأجيل أن هناك جدلاً حول خلافته وأن الأمر يحتاج إلى وقت لاتخاذ قرار بشأنه”.

ويذهب الكاتب للقول: إن “حلقة العلاقة المثيرة للجدل مع الإمارات أكدت (حسبه) على مكانة تبون كـ”رئيس انتقالي”. وبعد نشر الخبر الزائف عن إقالة السفير الإماراتي بتهمة التجسس، وقد ظهر تبون كأنه في صف تجنب تدهور العلاقات مع الإمارات، رأى أنه يستطيع استخدام صلاحياته كرئيس بإقالة على عجل وزير الإعلام، حينها، على الرغم من أن نشر المعلومات من قبل الامتدادات التابعة لأجهزة المخابرات لا يمكن أن يتم إلا بموافقة الأخيرة. وعلى العكس من ذلك، فإن اجتماع المجلس الأعلى للأمن، الذي أعقب ذلك، كان بمثابة القطيعة مع الإمارات، وشكل بطريقة ما تنصلًا من تبون. وتذكيراً بالتفوق الذي كانت تتمتع به أجهزة المخابرات عليه”.

وبحسب الكاتب: “يبدو التشابه واضحا مع قرار تقديم الانتخابات الرئاسية في سبتمبر/أيلول 1998 والاستقالة القسرية للجنرال لمين زروال (الرئيس السابق). وتزامنا مع تنظيم الانتخابات المبكرة، أعلن زروال أنه لن يترشح مرة أخرى. ولم يفعل تبون ذلك لأن هيئة الأركان لها مصلحة في تخفيف التأثير الكارثي لإعلان هذه الاستقالة القسرية، وذلك من خلال إطلاق المرحلة الأولى من الخطة، أي الانتخابات المبكرة، حتى يتم استيعاب تأثيرها الضار. أما الثانية، فهي مرحلة تبون الذي لن يترشح، ولا يمكن إلا أن تكون المرحلة الثانية من الخطة. بينما يُنتظر في المرحلة الثالثة أن يتم التوافق على خليفته. من المحتمل أن يؤدي ترقب هذه الانتخابات إلى إجبار بعض صناع القرار على فرض تعيين عسكري على رأس الدولة”.

إعادة توحيد الجيش من الأعلى

ويعتقد الكاتب: “أن هنا تكون هناك مقارنة أخرى ضرورية. وهي ظروف صول الجنرال اليامين زروال إلى رئاسة الدولة (في تسعينيات القرن الماضي).  وأن ما كان له تأثيره في تعيين عسكري، حينها، هو أنه أكثر من الحرب الأهلية، فهي الانقسامات العميقة داخل الجيش التي سبقت الحرب الأهلية، والتي كانت الأخيرة قد أبرزتها. وقد بدأت الانقسامات بسبب الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 1988، والتي شهدت إطلاق الجيش النار على المدنيين وقتل ما لا يقل عن 500 شخص، وسوف تتجمع الانقسامات حول الإصلاحات التي بدأها مولود حمروش كرد فعل على الأزمة، والذي أجبره الجيش في النهاية على الاستقالة في يونيو/حزيران 1991. وقد تفاقمت الأمور حول الترخيص لحزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ ومكانتها في اللعبة السياسية، وحول إيقاف المسار الانتخابي واستقالة الشاذلي القسرية، وحول تعيين بوضياف على رأس الدولة ثم اغتياله الصادم (في 1992). وأخيرا حول إدارة الحرب الأهلية والمفاوضات مع الإسلاميين المسلحين. وستتطور هذه الانقسامات في نهاية المطاف إلى تصفيات جسدية، وأفظعها تصفية قاصدي مرباح الرجل الذي أدار المخابرات العسكرية لأطول فترة (من 1962 إلى 1979). وسوف تستمر بعد تعيين زروال، ولا سيما باغتيال الجنرال فضيل سعيدي عام ،1996 الذي كان يرأس الناحية العسكرية الرابعة. وفي ظل هذه الظروف من الانقسامات والتوترات داخل الجيش، وفي محاولة لتوحيده، يختار قادة الجيش تعيين أحد أقرانهم على رأس الدولة”.

ويرى الكاتب أن: “السياق مختلف اليوم، لكن الانقسامات داخل الجيش ليست أقل عمقا ولا أقل تميزا بالعنف، حتى لو يتم التعبير عنه بشكل مختلف. وقد أدى اختيار تبون لولاية أولى، والتي فرضها قايد صالح، إلى انقسامات خطيرة. وأدى ذلك في البداية إلى سجن مدير الأمن الداخلي السابق الجنرال القوي واسيني بوعزة، المعارض الرئيسي لتعيين تبون. وقد فتحت الانقسامات الطريق أمام مرحلة تصفية حسابات لم تكتمل بعد في الجيش، مع سجن أكثر من مئة ضابط كبير، بينهم نحو ثلاثين جنرالاً، وإطلاق سراح عدد أكبر، دون تحقيق أي توازن حتى الآن داخل الجيش”. وقد أدى هذا إلى زعزعة استقرار معظم قطاعات الجيش الإستراتيجية مثل المخابرات والدرك والأمن الداخلي للجيش أو خدمات الاتصالات التي شهدت 3 رؤساء متعاقبين أو أكثر في فترة قصيرة وانتهى بعضهم في السجن. وخلال 3 سنوات، كان لدى أجهزة المخابرات 5 رؤساء متعاقبين، واحد منهم على الأقل في السجن. ولم ينجح شنقريحة (رئيس الأركان) حتى الآن في تنصيب نفسه نائبا لوزير الدفاع. ولهذا السبب، كما حدث في عام 1994، ومن منطلق الروح والمصالح المشتركة، ومن أجل الحفاظ على نفسه ومكانته المهيمنة، كان من الممكن أن يقرر الجيش على الأرجح وضع أحد أفراده على رأس الدولة”.

ووفق الباحث: “تشير الهجمات التي بدأت تطلق ضد زيارة تبون المعلنة لباريس في الخريف إلى أنها أيضاً غير مرغوب فيها”. ويزعم الباحث أن “هذه الهجمات تأتي من أجهزة المخابرات. وأن من المفارقة أن هجوما ضاريا قام به موقع (ألجيري باتريوتيك) “الجزائر الوطنية” (المملوك لنجل وزير الدفاع السابق الراحل خالد نزار)، وهو موقع مرتبط بهذه الأجهزة (حسب زعم الكاتب)، ضد المؤرخ بنجامين ستورا، جاء في نفس اللحظة التي اعتمدت فيه الجمعية الوطنية الفرنسية، في 28 مارس/آذار، قانونا لإحياء ذكرى مجازر 17 أكتوبر 1961. وقد استجاب هذا القانون لأحد مطالب الجزائر وكان يهدف إلى تجنب احتمال استغلال مسألة الذكرى كعائق أمام زيارة تبون. وفي بنجامين ستورا، تم استهداف الشخص الذي يقف وراء هذه السياسة التذكارية لماكرون. ولإعطاء مزيد من التغطية لهذه الهجمات، كان على صحيفة “الوطن”، أهم صحيفة ناطقة بالفرنسية والتي كان لها تأثير كبير في المجتمع المدني قبل أن يتم إخضاعها، أن تكون بمثابة دعم لما نشره صحافي من نفس موقع “الجزائر الوطنية”. وهناك أيضا اتهامات خطيرة تتعلق بالتهديدات الفرنسية للأمن الجزائري. بل وقيل إن فرنسا كانت تنقل الجهاديين إلى الحدود الجنوبية للجزائر في وقت تشعر فيه الأخيرة، في سياق التوتر مع دول الساحل، بالقلق بشأن هذه الحدود.”

متلازمة القلعة المحاصرة

ويعتقد الكاتب أن “خيار اختيار عسكري على رأس الدولة يعززه المأزق الاستراتيجي الذي تجد البلاد نفسها فيه، والرغبة في الرد عليه من خلال توازن القوة العسكرية. وإن رد الفعل على خيبات الأمل في منطقة الساحل من خلال المناورات العسكرية واسعة النطاق باستخدام الذخيرة الحية على الحدود مع مالي، أو العنف الشديد وغير المعتاد المتمثل في طرد المهاجرين القادمين من النيجر في بداية إبريل/نيسان، يوضح خيار طرح القوة العسكرية”.

وبحسب الكاتب “فإلى جانب العمليات العسكرية، أصبحت هيئة الأركان الآن مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة كافة القضايا الدولية الحساسة.”

ويزعم الكاتب أنه “للتعامل مع الأزمة مع الإمارات، خاض سعيد شنقريحة (رئيس الأركان) ماراتونًا دبلوماسيًا حقيقيًا، حيث مكث في الخارج على مدار شهر، من 3 فبراير إلى 5 مارس، أكثر من إقامته في الجزائر. حيث ذهب أولاً إلى المملكة العربية السعودية، حليفة الإمارات، لطلب الوساطة. ومكث هناك أكثر من عشرة أيام محاولا، دون جدوى، الحصول على مقابلة مع محمد بن سلمان. وتوجه بعد ذلك إلى قطر، منافسة الإمارات، لمحاولة الحصول على الدعم. في غضون ذلك، ومن أجل مواجهة تآكل النفوذ الجزائري في إفريقيا التي لم يقم الرئيس تبون بزيارتها بعد، ولمواجهة العداء في منطقة الساحل ضد الجزائر، ذهب شنقريحة  إلى رواندا حيث قدم دعمه في الصراع مع جمهورية الكونغو الديمقراطية، حليفة فرنسا. وهكذا يتولى الجيش السيطرة المباشرة على الدبلوماسية”.

وبحسب الكاتب فـ”رفض عضوية البلاد لعضوية مجموعة (البريكس)، التي استخدمها النظام كحجة خلال حملته الانتخابية، وطرده من أراضي نفوذه التقليدية في منطقة الساحل، وعزله فيما يتعلق بمسألة الصحراء الغربية، وأخيراً التخلي عن الحليف التقليدي والرئيسي، روسيا. وكذلك الكثير من خيبات الأمل التي انتهت بهز الجيش. وزادت من عدم ثقة الجيش تجاه المدنيين، بمن فيهم تبون، الذين عينه. ولذلك فقد مد الجيش نفوذه إلى الدبلوماسية، التي كانت الواجهة المدنية الأخيرة المسموح بها مقابل الاحتكار الذي مارسه الجيش دون تقاسم على كل الحياة السياسية لمدة 5 سنوات”.

ويختم الباحث بالقول “إنه لم يبق للجيش إلا أعلى منصب في الدولة”.

اضف تعليق

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات