الهوية في الدراسات والبحوث والتعاريف المعاصرة، تعبير عن حيوية مجتمع يبدع في المجالات كافة، خاصة تلك التي تؤكد وجوده في الحياة وتحوز الاعتراف العالمي والإنساني. كما أن الهوية في الحالة الجزائرية تحيل إلى واقع مُعَقَّد ومُرَكَّب ومُتَنَوّع يأخذ بكل ما وَرَثه الجزائريون عن عصر الاستعمار الفرنسي، لأن إنجاز الحركة الوطنية والحركة الإصلاحية والثورة التحريرية الكبرى إبداع نوعي رائع يسند ويرصد تراثه ومكاسبه لصاحب الانتصار بضرورة المحافظة عليه والإضافة إليه، فالنصر بتحقيق السيادة والاستقلال الوطني يستدعي هوية تؤكد الانتماء إلى الأرض، وليس ترك الجزائريين قيادة وشعبا يَفِرُّون من الوطن المتحرر.
يبدو أن الهوية الجزائرية عصية عن التَّشكل ومن ثم الإفصاح التلقائي عنها، بسبب حالة لا مبالاة واستخفاف بأمرها، لأنها من مكاسب الاستعمار الفرنسي في الجزائر، فظاهرة الاستعمار كانت كُلّا متلازما، بحيث أن تحقق مطلب اللغة يستدعي بالضرورة، الدين ويستدعي السياسة والوطن برمته. تلك كانت حقيقة الاستعمار، الذي يعني من جملة ما يعني استفحالا مطرد للتناقضات والمفارقات لما صارت عليه الإنسانية في القرن العشرين وما بعده. فالاستعمار يقتضي حالا استحضار ما بعده، لأنه جزء متلازم من تاريخ واحد. وأحاول هنا أن أفصّل ذلك في عشر نقاط:
* لعلّ أول ما تجب الإشارة اليه في مسألة انهيار تاريخي للهوية الجزائرية، هو فصل تاريخها الاستعماري والتنكر له في كل المشاهد الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وحتى الدينية واللغوية. فقد كان الأحرى أن يندرج تاريخ الوجود الفرنسي في الجزائر في التراث المشترك للجزائر، ولا تستفيد منه فقط فئة معينة آلت على نفسها أن تحكم، أو تَتَحكم في السلطة، ثم تنصرف إلى فرنسا، حيث تعيش ما بعد الاستعمار على ما يعيش الفرنسيون أنفسهم. التناقض الصارخ في هذه الحالة، هو أن الحكم في الجزائر، في صلته بالهوية صار ممارسة سياسية في الجزائر، وحالة فرنسية في فرنسا للإنسان الجزائري نفسه، الذي لا يكف عن التطلع إلى العيش في فرنسا بعدما تأكد أن هويته في الجزائر ناقصة تماما، ولا تلبي له الوجود الكامل.
*معالم الاستعمار في الجزائر، والخطاب المعادي له في الإعلام والصحافة والخطاب الرسمي المخاتل. هذه الحالة من الحقائق المرة في الجزائر تظهر الوجه الصارخ في مسألة التناقض بين تاريخ فرنسا في الجزائر ومعالمها، وما يروجه الإعلام الرسمي ضدها، وما يرد في الصحافة وحتى في الجامعات التي تدعي العلم والبحث. فقد آل الوضع أننا نفتخر على الغير ونتفاخر في ما بيننا بمعالم تاريخية وتراث حضاري رائع فرنسي، يحال إليه في توكيد إمكانية إقرار سياسة سياحية، ثم نعمد مباشرة ومن دون أي فواصل أو مقدمات إلى التنديد بهذا الاستعمار الغاشم إلى حد إصدار قانون تجريم الاستعمار في الجزائر. ذروة المفارقة التي تترجم حالة هذيان سياسي وفقدان وعي أيديولوجي، يعبّر في نهاية التحليل عن وضعية مؤقتة، لا يلبث صاحبها أن ينتقل إلى مكان آخر يتجاوب أفضل مع هويته.
*الدين الإسلامي والانقلاب الطرقي عليه، في ظل ممارسة سياسية مناقضة تماما لما يلح عليه الدين الإسلامي في القرن العشرين وما بعده، الذي انفتح على كل العالم وكل اللغات، ومن ثم إمكانية الاجتهاد الإنساني الذي يطال كل إنسان وكل الإنسانية. فقد تم تحرير الدين من أدران النظم الطرقية وشيوخ الزوايا وأولادهم، في ظل سياقات اجتماعية أمنتها أنظمة متهرئة تعود إلى أزمنة متخلفة من تاريخ العرب والإسلام.
*غير أن عودة النظم الطرقية وممارسات الغيبيات وما يرافقها من شعوذة، عبَّر عن فعالية تشكيل الهوية الجزائرية من غير صلب المسار التاريخي للحركة الوطنية والحركة الإصلاحية زمن القرن العشرين، وما انطوى عليه من قيم ومبادئ ومفاهيم وأفكار رائعة، حررت الإنسان الجزائري من سطوة الطغيان والاستبداد والظلم، وأسعفته بما يستطيع به أن يزدهر ويعيش أفضل.. ومنها للأسف الشديد التفكير الدائم في اللواذ إلى البلاد الفرنسية.
*سبق للدين الإسلامي في الجزائر أن تحرر من سلطة الاحتلال ومن ناصروها من شيوخ الطرق وقادة الزوايا، وأبدع منظومة الحركة الإصلاحية التي تلح على قيم المدينة وروح العصر الإنساني الجديد الذي يتعاطى مع مؤسسات الدولة. غير أن الانقلاب وقع على الهوية الشرعية وعاد الحكم إلى شيوخ الزوايا والخِرقَ وأضرحة الولاّة الصالحين، يجري تنصيبهم اليوم كرموز سياسية ورسمية، معبرين عن الإسلام الجزائري. ومن ثم ضاع على الجزائر أن تبدع هويتها المعاصرة، في مجال الدين الإنساني والعالمي الذي حققته الحركة الإصلاحية بريادة الإمام المثقف المبدع عبد الحميد بن باديس.
*التناقض الصارخ الذي رافق الدين وممارساته في الجزائر تَمَثَّل على وجه الخصوص في أن مؤشر بناء المساجد ومؤسساتها، عبَّر من جانب آخر عن زيادة منسوب الإجرام والتبذير والسرقات المالية والعلمية وفساد الأخلاق والآداب. فمن السهولة بمكان أن تتأكد من التجاوزات الخطيرة التي تحدثها المساجد، عندما ترفع الأصوات التي تعلن دخول وقت الصلاة، وعند قراءة القرآن الكريم في الصلاة الجهرية وفي تنظيم مناسبات عقد القران أمام عباد الله.. لكن كل ذلك لم يعصم نفس العباد من انتهاك دين الله وزيادة مفرطة لظاهرة الطلاق والخلع والخيانة وتشريد الأطفال وصلت مؤخرا إلى جريمة الجرائم، حرق اليتامى في ديارهم.
*أسماء نكرة وعناوين غريبة تَحْكُم وتَتَحَكّم بلا وعي في الجزائر، فقد خضعت الجزائر، بسبب غياب الوعي بقيمة الجزائر ككيان يجب أن يكتمل ويرتقي إلى مصاف الدول الكبرى، خضعت إلى إكراه صعب قبوله ويتعلق بِخَلْع أسماء نكرة غير معروفة على أماكن ومعالم كانت معروفة، وتحمل تاريخها الخاص الذي يؤكد شرعية وجودها والاستشهاد بها، كجزء تاريخي وعمراني ثم سياحي لما بعد استقلال الجزائر، التي يفترض فيها أنها كيان قائم بمقوماته استخلصه من حرب وجود، تتحلَّى بكل مقومات الشرعية.. غير أن اللامبالاة وعدم الاكتراث وإسناد الأمر إلى غير ذويه، آل إلى إطلاق أسماء نكرة وإضفاء عناوين على مؤسسات غريبة عليها. الأمر الذي فاقم مسألة الهوية الجزائرية ليس في صلتها بالغير، بل مع نفسها وفي بعض الحالات ضد نفسها..
*الجزائر، مجال غير لائق لاكتمال الهوية، لأن السياسة شيء والثقافة شيء آخر. فالذين أبدعوا باللغة العربية، هم الذين تجاوبوا مع الثقافة العربية المتوفرة بشكل مباشر في الفضاء العربي، وأن التاريخ الثقافي الجزائري كان ولا يزال جزءا من الثقافة العربية، فالثقافة العربية قاسم مشترك لكل العرب، بمن في ذلك الجزائريون الذين تمكن بعضهم من الإبداع باللغة العربية حتى لو كان مستوى الهوية منحطا.
والأمر نفسه ينسحب على اللغة الفرنسية التي أبدع بها بعض الجزائريين مباشرة، تأتيهم من فضاءاتها الأصلية أي فرنسا. وقد تيَسّر أمر التلاقي والتفاعل والتبادل والتنقل بين الجزائر وفرنسا طوال عهد الاستعمار وما بعده، كل ذلك في غياب إمكان حقيقي للإفصاح عن الهوية الجزائرية التي تُظهر نصيبها في الفعل الثقافي في الجزائر وفي العالم العربي وفي فرنسا وبقية العالم.
د. نورالدين ثنيو

تعليقات الزوار
لا تعليقات