أخبار عاجلة

باريس تفتح ملف أموال الجزائر المنهوبة

 أبدت فرنسا استعدادا واضحا للتعاون مع الجزائر في ملف استعادة الأموال والممتلكات المرتبطة بقضايا الفساد خلال حقبة الرئيس الجزائري الراحل عبدالعزيز بوتفليقة، في خطوة تعكس محاولة لإعادة تنشيط التعاون القضائي بين البلدين بعد فترة طويلة من التوتر والاتهامات المتبادلة بشأن ضعف التنسيق في هذا الملف الحساس.

وجاء الإعلان على لسان وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان خلال زيارته إلى الجزائر، حيث استقبله الرئيس عبدالمجيد تبون بقصر المرادية، في زيارة قال الوزير الفرنسي إنها جاءت بطلب مباشر من الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي أجرى مؤخرا مباحثات مطولة مع نظيره الجزائري حول عدد من القضايا الثنائية، وفي مقدمتها ملف الأموال المنهوبة.

وأكد دارمانان أن الجزائر تقدمت بنحو مائة طلب قضائي يتعلق باسترجاع ممتلكات وأموال "اكتسبت بطرق غير مشروعة"، مشيرا إلى أن السلطات الفرنسية تبدي استعدادا للعمل مع القضاء الجزائري من أجل مصادرة تلك الأموال وإعادتها لاحقا إلى ، مضيفا أن الهدف من هذه الخطوات هو تمكين الشعب الجزائري من استرجاع أموال يرى أنها هُربت إلى الخارج خلال سنوات حكم بوتفليقة، الذي ارتبط اسمه بواحدة من أكبر قضايا الفساد السياسي والمالي في تاريخ البلاد الحديث.

وتحمل التصريحات الفرنسية دلالات سياسية وقضائية مهمة، خاصة أنها تأتي بعد انتقادات جزائرية علنية لباريس قبل أسابيع قليلة، فقد اتهمت الرئاسة الجزائرية السلطات الفرنسية بعدم التجاوب مع عشرات الإنابات القضائية المتعلقة بالأموال المنهوبة، مشيرة إلى أن فرنسا لم ترد على 61 طلب تعاون قضائي، في وقت أبدت فيه دول أوروبية أخرى، مثل سويسرا وإسبانيا، تعاونا أكبر مع الجزائر في هذا الملف.

وفي محاولة لإظهار جدية التحرك الجديد، كشف وزير العدل الفرنسي عن توجيه دعوة إلى مسؤولين قضائيين جزائريين لزيارة باريس مطلع يونيو/حزيران المقبل، بهدف تعميق دراسة الملفات المعروضة أمام القضاء الفرنسي وتسريع إجراءات الحجز والمصادرة المتعلقة بمسؤولين سابقين في النظام الجزائري.

ويُعد ملف استرجاع الأموال المهربة أحد أبرز العناوين السياسية التي رفعتها السلطات الجزائرية منذ اندلاع احتجاجات "الحراك الشعبي" عام 2019، والتي انتهت باستقالة بوتفليقة بعد عشرين عاما في الحكم. ومنذ ذلك الحين، أطلقت الجزائر حملة واسعة لمكافحة الفساد شملت وزراء ورجال أعمال ومسؤولين نافذين، في مسعى لاستعادة الثقة الشعبية وإظهار القطيعة مع مرحلة اتُّهمت بتفشي الفساد واستغلال النفوذ.

وكان الرئيس تبون قد أعلن في أكتوبر/تشرين الأول 2025 أن بلاده تمكنت من استرجاع ما قيمته 30 مليار دولار من عائدات الأموال المنهوبة، مشيرا إلى إعادة توظيف عدد من الشركات والمصانع المسترجعة ضمن الاقتصاد الوطني تحت إدارة مؤسسات حكومية، غير أن السلطات الجزائرية تؤكد أن جزءا كبيرا من الأموال المهربة ما يزال موزعا في الخارج، دون وجود تقديرات رسمية دقيقة لحجمها الحقيقي.

ويرى مراقبون أن التحرك الفرنسي الأخير يتجاوز البعد القضائي، ليحمل أيضا رسائل سياسية مرتبطة بمحاولة تهدئة العلاقات الثنائية التي شهدت خلال السنوات الماضية أزمات متكررة بسبب ملفات الذاكرة والهجرة والتعاون الأمني. كما أن باريس تدرك حساسية ملف الأموال المهربة بالنسبة للرأي العام الجزائري، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد.

وفي المقابل، يبقى نجاح هذا التعاون مرهونا بمدى تجاوب القضاء الفرنسي مع الطلبات الجزائرية، وبقدرة البلدين على تجاوز التعقيدات القانونية والمالية التي ترافق عادة قضايا تتبع الأصول والأموال العابرة للحدود، وهي معركة قضائية طويلة غالبا ما تتحرك ببطء داخل دهاليز البنوك والمحاكم الأوروبية.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات