الموضوع ليس جديدا علّيّ، فقد كتبت أكثر من مرة عن العلاقة بين السياسة والصحافة في الجزائر، بما فيها الكتابة الأكاديمية، ركًزت فيها على موضوع الانتخابات السياسية، عبر سوسيولوجية الترشيحات والنتائج في الحالة الجزائرية. درست فيها الفئات الاجتماعية، التي عبّرت عن اهتمامها بالترشح لهذا النوع من الانتخابات المغلقة، التي تراجعت فيها نسب المشاركة الشعبية مع الوقت، قبل وبعد التعددية السياسية. في وقت زاد فيه منسوب اهتمام بعض الفئات الاجتماعية التي ارتفعت حظوظها في التعليم العالي، تعاملت مع الانتخابات التشريعية كمصعد اجتماعي، في فترة عرفت فيها المواقع الاجتماعية للكثير من الجزائريين عدم استقرار بفعل التنافس على المال والجاه.
موضوع عاد للساحة هذه الأيام بمناسبة قرب الانتخابات التشريعية المبرمجة في 2 يوليو 2026، برزت فيه ظاهرة اهتمام الصحافيين بالترشح لها ضمن قوائم حزبية وحرة، مما يكون قد أثار اهتمام الملاحظين والزملاء وهم يعاينون بعض الوجوه في قائمة الترشيحات كانت محسوبة على الحراك معروفة بمواقفها النقدية من العملية الانتخابية برمتها والنظام السياسي ككل. فهل نحن أمام تقييم جديد في مقاربة الانتخابات من قبل النخب، ومن ورائهم المواطنون.. أم أن الأمر لا يعدو كونه اهتماما شخصيا وطموحا، تعبر عنه هذه الفئات التي شهدت وضعيتها الاجتماعية ـ الاقتصادية تدهورا، داخل اقتصاد ريعي عادة ما ُتقرب فيه السياسة من منابع الريع. في وقت لم يعد من السهل على المهنيين ممارسة مهنتهم وهي تشكو غلقا واضحا، زاد بعد توقف مسيرات الحراك التي شاركت فيها بقوة بعض الوجوه الإعلامية المرشحة لهذه الانتخابات المزمع تنظيمها الصيف المقبل.
ظاهرة ترشح الإعلاميين التي كانت حاضرة تاريخيا قبل التعددية، في ظل الحزب الواحد، اهتم من خلالها صاحب القرار داخل الحزب السياسي بهذه الوجوه الإعلامية، التي فكر أنها يمكن ان تضيف الجديد لقائمة الترشيحات، لما تتمتع به من شعبية، داخل نظام سياسي وحزبي شحيح في إنتاج النخب السياسية المعروفة شعبيا. ترك أمر إنتاجها للإعلام الثقيل على غرار التلفزيون. نظرا لما ميز «المناضل الحزبي» والناشط السياسي من خصائص سوسيو- ثقافية. تولدت عن الانقسامية الثقافية، التي ميزت النخب السياسية الجزائرية. تخصص فيها المتعلم بالعربية في الاهتمام بالظاهرة الحزبية، عكس المثقف المفرنس الذي كان اهتمامه منصبا على المؤسسات الإدارية والاقتصادية تحديدا اختص في تسييرها. علما بأن هذه الترشيحات ما زالت غير محسومة بشكل نهائي، نتيجة قوانين الانتخابات التي تفرض شرط الحصول على تزكيات شعبية، في حالة القوائم المستقلة ولدى الأحزاب التي لم تسجل نتائج معتبرة في الانتخابات السابقة، ليس من السهل توفيرها، مما قد يعرقل ترشيحات هذه الوجوه، التي اهتمت في السابق بالظاهرة الانتخابية من بعيد كجزء من اهتمام مهني. وجوه ستعيش تحديات جدية في الوصول إلى الترشيح الرسمي، والفوز بهذه الانتخابات التي ما زال الكثير من شروطها غير متوفر لديها، من بينها بالطبع الجانب المالي الذي يتطلبه إنجاح العملية الانتخابية، ليس بالضرورة ما يسمي بالمال السياسي الفاسد. زيادة على الدعم الشعبي الذي يجب تحفيزه بمناسبة هذه الانتخابات، التي ستجري في فصل الصيف والعطل، قد لا يكون مساعدا بالضرورة للتجنيد الشعبي، سواء تعلق الامر بالقوائم المستقلة او الحزبية. علما بأن الترشيحات التي أعلنت من قبل هؤلاء الإعلاميين حصلت حتى الآن داخل أحزاب تصنف أحزابا صغيرة ضمن الخريطة الحزبية، على غرار «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» الذي عرف بعلاقته المتوترة مع المحيط السياسي الرسمي، الذي ابدى أكثر من مرة عن عدم رضاه عن مواقفه المعارضة، جعلته يقاطع الانتخابات التشريعية كما حصل في 2021 في جو ما بعد الحراك بالزخم الذي عرفه.
ترشيحات لهذه الوجوه الإعلامية المحسوبة على التيارات النقدية بل المعارضة -حصلت في الغالب بمنطقة القبائل ومدينة الجزائر العاصمة، التي يملك فيها هذا التيار حظوظا معقولة في إيصال نواب برلمانيين، كما كان الأمر في السابق. سيزيد حتما في التنافس بين أبناء هذا التيار المصنف تيارا ديمقراطيا داخل الخريطة السياسية الجزائرية. علما بأن وجوها إعلامية وجامعية أخرى، يتوقع أن تكون حاضرة في قوائم أحزاب السلطة، على غرار «التجمع الوطني الديمقراطي» الذي يستفيد حتى الآن من تغطية إعلامية رسمية متميزة، نتيجة لمواقعه داخل المؤسسات الإعلامية الرسمية، كما يظهر في التلفزيونات العمومية والخاصة. تشابهت في التقرب من هذا الحزب، الذي يتوقع ان يحصد مواقع مهمة داخل البرلمان القادم، حتى على حساب جبهة التحرير، التي لم يعد الود بينها وبين مراكز السلطة قائما، منذ تولي تبون الرئاسة. هو الذي عرف بمساره السياسي والحزبي داخل جبهة التحرير.
تأخير في ظهور أسماء إعلامية جديدة قد يكون مرتبطا بالصراعات داخل الأحزاب في ترتيب القوائم، تبقى حظوظ الإعلاميات النساء فيها أكبر نتيجة لضعف حضور المرأة ككل داخل هذه الأحزاب المتميزة بذكورية كبيرة.
بينت التجربة الجزائرية في انتخابات سابقة كيف كان نظام الكوتا مساعدا لها في انتخابات سابقة. سيتم التراجع عنه نسبيا في الانتخابات القادمة تحت تأثير الثقافة الذكورية لدى صاحب القرار السياسي، الذي ما زال مرتابا من المرأة وهي تلج الحياة السياسية، عبًر عنه كذلك من خلال التعيينات التي كان يمكن أن يقوم بها لصالح المرأة التي تتميز بمستويات تأهيل علمي تنافس بها الرجل، بل تتغلب عليه كما يبينه حضورها الجامعي في مختلف التخصصات بما فيها الدقيقة، كما هو حاصل في دراسة الهندسة التي تسجل فيها المرأة الجزائرية ريادة عالمية اكدتها منظمة اليونيسكو.
في انتظار انتهاء وضع القوائم النهائية للترشيحات، ومدى القبول الذي ستجده في جمع التزكيات الشعبية المطلوبة في القوائم المستقلة والأحزاب، التي لم تحقق نتائج كبيرة في السابق. في وقت تحولت فيه إلى المشاركة في الانتخابات قانونيا، إلى فرض عين بالنسبة للأحزاب.
يبقى الأهم موقف المواطن الجزائري الذي لم تظهر عليه أي علامة تؤكد نيته في المشاركة المعقولة في هذه الانتخابات المغلقة سياسيا واعلاميا لكي يشارك بقوة كما فعل ذات يوم في يونيو 1990 ويناير 1992. تكون كفيلة بإخراج نتائج هذه الانتخابات من المنطق السائد كاتجاه ثقيل منذ سنوات. لم تتحول فيها الانتخابات إلى وسيلة تغيير سياسي، بل إلى ركود يتأكد عند كل استحقاق. لا يهتم بها في الغالب إلا الوسط الاجتماعي والعائلي القريب من المرشحين في المدن الكبرى. تؤكد ضعف الظاهرة الحزبية في المجتمع الجزائري، زيادة على بعض القوى التقليدية التي تستطيع هذه الانتخابات المغلقة تحفيزها في الريف، كما يحصل عادة في الهضاب العليا والمناطق الصحراوية، خارج المدن الكبرى التي يعيش فيها أغلبية الجزائريين. ومع ذلك حظا سعيدا لكل الأصدقاء المرشحين.
ناصر جابي

تعليقات الزوار
لا تعليقات