في الذكرى الرابعة عشرة لرحيل الفنانة وردة الجزائرية، التي توافق السابع عشر من مايو/أيار، لم يكتفِ ابنها رياض القصري بالصمت الذي اعتاده حين يتعلق الأمر بميراث والدته الفني، بل خرج معلناً عن مشروع كتاب جديد يوثق تفاصيل من حياتها، ومحددا في الوقت ذاته شروطه الصارمة لكل من تسوّل له نفسه تحويل سيرتها إلى عمل درامي دون أن يستوفي ما تستحقه هذه الأسطورة.
أعلن رياض القصري أن الكتاب صدر باللغة الفرنسية تحت عنوان 'La' Voix, La Vie ' أي "الصوت، الحياة"، ويجري حاليا العمل على ترجمته في إحدى دور النشر اللبنانية، ليصل إلى جمهور أوسع محبي وردة في العالم العربي.
وجاء الكتاب ليكشف وجهاً آخر للفنانة الراحلة؛ 'وردة الأم' التي عاشت خلف الأضواء بكل ما فيها من دفء وتعقيد وتضحية.
ويتطرق الكتاب بصفة خاصة إلى كفاحها مع المرض، وكيف واجهت أزماتها الصحية بإصرار لافت، متغلبةً على كثير من المحطات الصعبة بصمود جعل ممن عرفوها عن قرب يرونها بعيناً مختلفة عن تلك التي رآها بها الجمهور.
حين سُئل رياض القصري عن إمكانية تحويل سيرة والدته إلى مسلسل أو فيلم، لم يرفض الفكرة من حيث المبدأ، لكنه أحاطها بسياج من الشروط التي تعكس إدراكه العميق لما يمثله اسم 'وردة الجزائرية' من ثقل.
أول هذه الشروط أن يكون مستوى الإنتاج والإخراج والإمكانيات في أعلى درجاته، إذ لا يقبل أن تُقدَّم والدته في عمل تغلب عليه الاستعجال أو تقييد الميزانية.
وثاني هذه الشروط، وربما أهمها، أن تُقدَّم الشخصية بصورة واقعية إنسانية؛ امرأة لها نجاحاتها وإخفاقاتها وأحزانها وأخطاؤها، لا صورة نمطية مقدسة تُفرغ الشخصية من إنسانيتها.
وفي هذا السياق، لم يتردد في انتقاد بعض الأعمال السير ذاتية التي أُنتجت في السنوات الأخيرة، معتبراً أن أسلوب 'التقديس' الذي طغى عليها قد حوّل شخصيات حقيقية إلى أيقونات جامدة لا تعكس الحياة كما عاشها أصحابها.
أما على صعيد العنوان، فقد أبدى رياض ميله الواضح لاعتماد اسم 'وردة الجزائرية' عنوانا لأي عمل مستقبلي، معبرا عن فخره بما يحمله هذا الاسم من رمزية وطنية وفنية تجمع بين الجزائر ولبنان ومصر في امرأة واحدة.
وُلدت وردة فتوح، المعروفة بوردة الجزائرية، في فرنسا لأب جزائري وأم لبنانية من عائلة بيروتية.
وبدأت خطواتها الأولى في نادي والدها بفرنسا، حيث أشرف على تعليمها المغني التونسي الصادق ثريا، فكانت تؤدي في البداية أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، قبل أن تتحول إلى تقديم أغانٍ خاصة بها من ألحان أستاذها.
وقدمت إلى مصر عام 1960 بدعوة من المنتج والمخرج حلمي رفلة، الذي أسند إليها بطولة فيلم 'ألمظ وعبده الحامولي'، لتبدأ من خلاله مسيرتها السينمائية وتنطلق أغنية 'اسأل دموع عنيا' لتحقق لها حضورا جماهيريا واسعا. غير أن حياتها لم تسر في خط مستقيم؛ إذ أقدمت على الاعتزال سنوات بعد زواجها، حتى جاء طلب الرئيس الجزائري هواري بومدين لتغني في العيد العاشر للاستقلال عام 1972، فعادت إلى المسرح، ودفعت ثمن عودتها انفصالا عن زوجها.
ثم جاء تعاونها مع الموسيقار بليغ حمدي ليكون المحطة الأبرز في مشوارها، وإن لم تكن الأكثر هدوءا في حياتها الشخصية، إذ انتهى زواجهما بالطلاق عام 1979، بينما استمر تعاونهما الفني شاهدا على ما يمكن أن تنتجه العلاقات الإنسانية المعقدة من فن رفيع.
وقد شكّلت أغنية 'أوقاتي بتحلو' من ألحان سيد مكاوي عام 1979 ميلادها الفني الحقيقي بحسب كثير من النقاد، وهي الأغنية التي كانت أم كلثوم تعتزم تقديمها قبل رحيلها عام 1975، فظلت حبيسة الأدراج سنوات حتى وجدت في وردة صوتها المنتظر.
ورحلت وردة الجزائرية في السابع عشر من مايو 2012 إثر أزمة قلبية بالقاهرة، فنُقل جثمانها إلى الجزائر في جنازة رسمية، تاركة رصيدا غنائيا لا يزال حاضرا في مجالس الطرب العربي حتى اليوم.
;لم تكن تصريحات رياض القصري الأخيرة المرة الأولى التي يتخذ فيها موقفاً حازماً من توظيف اسم والدته، فقد سبق أن لجأ إلى القضاء مقدماً إنذارات قانونية عبر محاميه لكل من أعلن عزمه كتابة قصة حياة وردة الجزائرية دون الحصول على موافقته. وقد كشف الإعلامي وجدي الحكيم المقرب من رياض أن الأخير توجّه إلى مصر خصيصاً للقاء محاميه بهدف اتخاذ هذه الإجراءات، في رسالة واضحة مفادها أن إرث وردة الجزائرية ليس متاحاً لأي طرف يرى في اسمها فرصة إنتاجية.
وفي هذا السياق أشار الحكيم إلى أنه لو جاء الدور على تجسيد شخصية وردة في أي عمل درامي، فإنه سيرشح الفنانة التونسية درة للقيام بهذا الدور، لما بينها وبين وردة من تشابه في الملامح يجعلها الأقرب لتجسيد تلك الشخصية الاستثنائية.

تعليقات الزوار
لا تعليقات