أخبار عاجلة

وزير العدل الفرنسي يبحت مع تبون حل أزمة الصحافي كريستوف غليز

حل وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، بالعاصمة الجزائرية في محاولة فرنسية جديدة لإعادة تحريك التعاون القضائي والأمني مع نظام جزائري دخلت معه باريس خلال السنتين الأخيرتين في واحدة من أعنف الأزمات الدبلوماسية والسياسية منذ عقود، وسط تصاعد الانتقادات داخل فرنسا لما يوصف بـ"الابتزاز السياسي" الذي تمارسه الجزائر عبر ملفات الهجرة والأمن والتعاون القضائي، وفي ظل استمرار سجن الصحافي الفرنسي كريستوف غليز بأحكام ثقيلة أثارت صدمة واسعة داخل الأوساط الإعلامية والحقوقية الأوروبية.

ورغم أن الزيارة لا تتجاوز 24 ساعة، فإنها تحمل أبعادا سياسية وأمنية تتجاوز بكثير طابعها البروتوكولي بالنظر إلى حجم الملفات الشائكة المطروحة على الطاولة بين باريس والجزائر، وفي مقدمتها ملفات الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والتعاون الاستخباراتي، إضافة إلى قضية الصحافي الفرنسي المعتقل التي تحولت داخل فرنسا إلى عنوان جديد لتدهور أوضاع الحريات واستعمال القضاء في تصفية الملفات السياسية والإعلامية داخل الجزائر.

وتأتي هذه الزيارة في وقت تحاول فيه باريس إعادة ترميم علاقة انهارت بشكل غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة بسبب توتر سياسي مزمن غذته الخلافات المرتبطة بملفات الذاكرة والاستعمار والهجرة وملف الصحراء المغربية، قبل أن يتوسع ليشمل التعاون الأمني والقضائي الذي تحول بدوره إلى رهينة للتقلبات السياسية والتشنجات المتكررة بين النظام الجزائري والسلطات الفرنسية.

وبحسب وزارة العدل الفرنسية، فإن الزيارة تهدف إلى "فتح فصل جديد من التعاون القضائي" بين البلدين، غير أن هذا الخطاب الدبلوماسي الناعم يخفي خلفه حجم القلق الفرنسي المتزايد من تعطل قنوات التنسيق مع الجزائر في ملفات تعتبرها باريس شديدة الحساسية، خصوصا مع تنامي تهديدات الجريمة المنظمة العابرة للحدود وشبكات الاتجار بالمخدرات والهجرة غير النظامية القادمة من الضفة الجنوبية للمتوسط.

ويتصدر ملف الصحافي الفرنسي كريستوف غليز واجهة هذه الأزمة، فالصحافي المتعاون مع مجلتي "So Foot" و"Society" تحول خلال أقل من سنتين من مراسل رياضي إلى أحد أبرز رموز التوتر الفرنسي الجزائري، بعدما اعتقلته السلطات الجزائرية خلال إنجازه تحقيقا صحافيا سنة 2024، قبل أن يتم وضعه تحت المراقبة القضائية ثم إيداعه السجن ابتداء من يونيو 2025، ليصدر في حقه لاحقا حكم بالسجن سبع سنوات بتهمة "الإشادة بالإرهاب" وهو الحكم الذي تم تثبيته استئنافيا في دجنبر الماضي.

وأثارت القضية موجة استنكار واسعة داخل فرنسا، حيث اعتبرت منظمات حقوقية وإعلامية أن الملف يعكس اتجاها متزايدا نحو تضييق الخناق على الصحافة والحريات داخل الجزائر خاصة في ظل تواتر قضايا اعتقال صحافيين ونشطاء ومعارضين خلال السنوات الأخيرة تحت تهم مرتبطة بالإرهاب أو المساس بأمن الدولة.

وتدرك باريس أن ملف غليز أصبح عبئا سياسيا داخليا على الحكومة الفرنسية، خصوصا مع تصاعد الانتقادات التي تتهم السلطات الفرنسية بالتهاون مع الجزائر رغم استمرار ما تصفه أوساط سياسية وإعلامية فرنسية بـ"الممارسات القمعية" واستعمال الملفات القضائية كورقة ضغط دبلوماسية.

ويكشف تشكيل الوفد القضائي الفرنسي المرافق لدارمانان حجم القلق الفرنسي من الانهيار شبه الكامل للتنسيق القضائي مع الجزائر فالوفد يضم شخصيات ثقيلة داخل المنظومة القضائية الفرنسية، من بينها المدعية الوطنية لمكافحة الجريمة المنظمة فانيسا بيري، والمدعي المالي الوطني باسكال براش، في إشارة واضحة إلى أن باريس تسعى إلى إعادة بناء قنوات التعاون في ملفات تمس الأمن الداخلي الفرنسي بشكل مباشر.

وفي صلب هذه الملفات، يبرز ملف "DZ Mafia" وهي شبكة إجرامية تنشط أساسا بمدينة مارسيليا الفرنسية، وتتهمها السلطات الفرنسية بالضلوع في شبكات الاتجار الدولي بالمخدرات وتبييض الأموال والعنف المسلح وتصفية الحسابات الدموية داخل الضواحي الفرنسية.

وتقول باريس إن عددا من المشتبه في ارتباطهم بهذه الشبكة فروا إلى الجزائر، ما دفع القضاء الفرنسي إلى إرسال نحو عشر طلبات تعاون قضائي ومساعدة قانونية إلى السلطات الجزائرية في محاولة لملاحقة عناصر الشبكة أو تسليمهم، وسط مخاوف فرنسية من تحول الجزائر إلى فضاء هروب لبعض المطلوبين المرتبطين بالجريمة المنظمة العابرة للحدود.

كما تعكس الزيارة أيضا حجم الإرباك الذي سببته الجزائر لفرنسا في ملفات الهجرة والترحيل القسري بعدما ظلت باريس تشتكي لسنوات من رفض أو بطء السلطات الجزائرية في تسليم وثائق المرور القنصلية الخاصة بمواطنيها الموجودين في وضعية غير قانونية داخل التراب الفرنسي وهو الملف الذي تحول مرارا إلى مصدر توتر حاد بين الجانبين.

ورغم حديث المسؤولين الفرنسيين عن "استعادة تدريجية" للتعاون الأمني، فإن مؤشرات الحذر والشك ما تزال طاغية داخل المؤسسات الفرنسية، خصوصا في ظل اقتناع متزايد داخل الأوساط السياسية والأمنية الفرنسية بأن العلاقة مع الجزائر أصبحت محكومة بمنطق التوتر الدائم والتقلبات السياسية الحادة أكثر من كونها شراكة مستقرة يمكن البناء عليها استراتيجيا.

ويأتي هذا التقارب الفرنسي الجزائري الجديد أيضا في سياق إقليمي شديد الحساسية، يتزامن مع تصاعد التهديدات الأمنية بمنطقة الساحل وتزايد نشاط شبكات الجريمة العابرة للحدود والهجرة غير النظامية ما يدفع باريس إلى محاولة استعادة الحد الأدنى من التنسيق مع الجزائر رغم إدراكها المتزايد لصعوبة بناء علاقة مستقرة مع نظام يوظف الملفات الأمنية والهجرية والقضائية كورقة ضغط سياسية ودبلوماسية في علاقاته الخارجية.

وفي المقابل، تبدو الجزائر بدورها حريصة على استثمار هذا الانفتاح الفرنسي الجديد لكسر جزء من عزلتها الدبلوماسية المتنامية، خاصة في ظل تراجع علاقاتها مع عدد من القوى الغربية والإقليمية وتصاعد الانتقادات المرتبطة بالحريات الداخلية، والتوترات الإقليمية التي أصبحت تضع النظام الجزائري تحت ضغط متزايد على أكثر من جبهة.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات