أخبار عاجلة

التقارب الجزائري الفرنسي: هل نتجه صوب لحظة حاسمة؟

بإجماع من المراقبين، ما عدا السياسة الدولية، لم يتبق في يد الرئيس ماكرون الكثير من الأوراق، بل تكاد الأخيرة تشكل الورقة الوحيدة التي باستطاعته المراهنة عليها، لتسجيل اختراقات دبلوماسية، وقد يكون الموضوع الجزائري بمثابة «مسك الختام»، المتوج لعمل دبلوماسي حاول الرئيس الفرنسي إنجازه بمناهج خرجت الكثير منها عن إطارات الدبلوماسية التقليدية بدرجات متفاوتة من النجاح.
أجل، فقد أثبت ماكرون رغبة في القفز فوق حاجز الأصول والخطوط الحمر التي أقامتها دبلوماسية «الكي دورسيه» (الخارجية الفرنسية) في مجال العلاقات الفرنسية العربية، بعد أن كان جاك شيراك قد رسم ثوابتها مقتفيا، بلحظات حاسمة ومحينة تعاقبت لتحدد سياسية ثقة، خطى الجنرال ديغول.
لقد دخلنا عهدا تغلبت فيه المصالح على التحالفات. وتنطبق الدبلوماسية على هذه الأرضية، أرضية براغماتية المنافع التي تجعل الدول تتحرك وفق المصالح الذاتية، الاقتصادية والأمنية بالدرجة الأولى، وليس بمعايير التعاون، بالمعنى التقليدي الذي كنا نضفي عليه ذلك الطابع، الذي كان يحول العلاقات إلى تطلعات. فهل لا يزال منطق العلاقات والتطلعات قائما في مجال الدبلوماسية، في الوقت الراهن؟ أن يكون موضوع المصالح «موضوع المواضيع» ليس جديدا، لكننا عرفنا فترات من التاريخ كانت فيها المصالح تتعايش، مع بعد النظر الذي يشكل القاعدة الأساسية لتطوير رؤى. في عالمنا الغربي، بالكاد نتحدث عن «رؤى»، لكن مقومات الذهاب إلى أبعد من المصالح، مهمة جوهرية من مهمات رئيس الجمهورية.. ويجب هنا تجاوز مهمات رئيس جمهورية منتهية ولايته، للذهاب إلى أبعد حتى نقف عند مصطلح يبدو أساسياً هنا، على الرغم من عدم تداوله بما يكفي إعلاميا، وهو الدبلوماسية التذكارية (La diplomatie mémorielle) ويقوم المبدأ على وجوب فتح جروحات وشروخات الذاكرة على الطريقة ذاتها التي كان الفيلسوف ميخائيل باختين قد حددها في تحليلاته الأدبية: تعدد الأصوات.

أجل، إن الذاكرة الفرنسية الجزائرية المشتركة، رواية أيضا مشتركة لا يمكن فهمها من دون إعطاء كل ذي حق حقه لمشاركة جراح تنتمي إلى عهد مضى لا يلغي الإقرار بوجودها: «هذه الصفحة يجب أن تكون مكتوبة حتى تكون مطوية»، كما تقول سيجولين رويال الرئيسة الحالية للجمعية الفرنسية الجزائرية في فيديو حقق أكثر من 220000 مشاهدة. لكن صفحات المستقبل يجب أن تكتب الآن. وبكل تأكيد، لا بد أن يفضي تصالح الذاكرات إزاء حقائق الاستعمار بأنواعها، إلى تهدئة تخلق «ريعا تذكارياً» ينتج عنه مناخ يوفر إمكانية الاستفادة المتبادلة من الريع الاقتصادي.
صحيح، تعتمد فرنسا على الغاز الجزائري المسال (تدرجت وارداتها بنسبة 29% أسبوعا فقط بعد بدء الحرب على إيران) وبات الغاز الجزائري مصدر تعويض بامتياز لدول الاتحاد الأوروبي، بعد بدء الحرب بين روسيا وأوكرانيا. ومن المعروف أيضا، على نمط التعاون الذي يجري بين إسبانيا والمغرب، أن استثمارات الطاقة الفرنسية في الجزائر تحولت أيضا إلى استثمارات نوعية في الطاقة الشمسية ضمن خطة استراتيجية تسعى لاعتماد مصادر طاقة خالية من الكربون. لا يمكن للعلاقات الفرنسية الجزائرية أن تعرف الاستقرار، من دون وجود خبراء في الميدان، ومن دون تقنيين. وإذا كان بنيامين ستورا قد هندس لموضوع الذاكرة، ونظّر لها مبرزا تعدديتها وضرورة إدماجها في السياسة، فقد تمكن وزير الداخلية الوسطي لوران نونييز، من هندسة الجزء الآخر من المعادلة، وهو التعايش بين السيادتين، السيادة الجزائرية والسيادة الفرنسية، عن طريق تفعيل الحوار الدبلوماسي، وفقا لما يسميه الباحث حسني عبيدي «براديغما الكتمان»، أي مساحة التكتم والسرية الضروريان لإيصال معالجة القضايا موضع إشكال إلى بر الأمان.
سابقة من الدبلوماسية التذكارية يقول فرانك دوديو، رئيس تحرير صحيفة «ماريان» الفرنسية. والعبارة مرة أخرى ذات وقع، لأن هذه المرة، تم التدرج في الإحاطة بالموضوع إلى مستوى الجذور، وربما لسابقة أخرى، كلامية هذه المرة، محل كبير من الإعراب نجده في تصريحات رئيس أركان القوات المسلحة الجزائرية، حين يدعو في حضور نائبة وزير الدفاع الفرنسي إلى «تجاوز جراح الماضي، من دون نسيانها» .أكثر من أي وقت مضى ولأننا تكلمنا هنا من صلب الموضوع، موضوع الوقوف عند حقائق التاريخ لكن أيضا الانتقال بها مستقبلا إلى صناعة التاريخ، الأيام، أيام التاريخ القادم، بيننا.

بيير لوي ريمون

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات