منذ وصول الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى الحكم أواخر سنة 2019، وصعود الجنرال السعيد شنقريحة إلى قيادة المؤسسة العسكرية عقب وفاة أحمد قايد صالح، دخلت الجزائر مرحلة جديدة اتسمت بتصاعد غير مسبوق في وتيرة الاعتقالات والإقالات والمحاكمات التي استهدفت كبار الضباط والجنرالات داخل الجيش والأجهزة الأمنية، في مشهد يرى فيه متابعون عملية إعادة تشكيل عميقة لمراكز النفوذ داخل الدولة، هدفها إحكام السيطرة على مفاصل المؤسسة العسكرية والأمنية وتفكيك الشبكات المرتبطة بمراكز القوة السابقة.
وخلال أقل من سبع سنوات، تحوّل السجن العسكري بالبليدة إلى واجهة بارزة لهذا التحول، بعدما استقبل أعدادا متزايدة من كبار الضباط الذين شغلوا سابقا مناصب حساسة في وزارة الدفاع والأجهزة الاستخباراتية الجزائرية وقيادات النواحي العسكرية.
وتشير تقديرات متداولة في تقارير إعلامية ومعطيات ينشرها معارضون جزائريون إلى وجود ما يقارب 155 ضابطا ساميا رهن الاعتقال أو المتابعة القضائية منذ سنة 2019، بينهم ما بين 60 و78 جنرالا برتب مختلفة، إضافة إلى عدد من الضباط السامين والعقداء وقادة الوحدات العسكرية السابقة، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الجزائر المعاصر.
وتضم قائمة الأسماء التي طالتها الاعتقالات شخصيات كانت تعتبر لسنوات من أبرز أعمدة النظام العسكري الجزائري، من بينها اللواء واسيني بوعزة، المدير السابق للأمن الداخلي، الذي أدين في عدة ملفات مرتبطة باستغلال النفوذ وإساءة استخدام السلطة، واللواء عبد الحميد غريس، الأمين العام السابق لوزارة الدفاع، إلى جانب اللواء محمد قايدي، أحد أبرز القادة العسكريين الشباب الذين صعدوا خلال فترة أحمد قايد صالح قبل أن تتم إزاحتهم لاحقا.
كما شملت الملاحقات اللواء عبد القادر لشخم، المدير السابق للاتصالات بوزارة الدفاع الجزائرية، واللواء علي عكروم، المسؤول السابق عن دائرة العتاد، إضافة إلى أسماء أخرى ارتبطت بمراكز القرار الأمني والعسكري خلال السنوات الأخيرة من حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة.
ويرى مراقبون أن ما يحدث داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية يتجاوز مجرد حملات مرتبطة بمحاربة الفساد، خصوصا أن التهم الموجهة إلى الضباط المعتقلين لا تقتصر على الاختلاس أو الإثراء غير المشروع، بل تمتد إلى تهم ثقيلة من قبيل "التآمر ضد سلطة الدولة"، و"المساس بأمن الجيش" و"التخابر مع جهات أجنبية"، وهي اتهامات غالبا ما ارتبطت بالصراع بين الأجنحة المتنافسة داخل النظام أكثر من ارتباطها بمسار قضائي عادي.
ويبرز اسم عبد القادر حداد، المعروف بلقب "ناصر الجن"، باعتباره أحدث الوجوه الثقيلة التي التحقت بلائحة الجنرالات المعتقلين، بعدما جرى إيداعه السجن عقب أسابيع فقط من إعفائه من منصبه على رأس جهاز الأمن الداخلي، يعد الرجل من أبرز الشخصيات الأمنية التي ارتبط اسمها بالعشرية السوداء وبملفات مكافحة الجماعات المسلحة، كما ظل لسنوات أحد أهم رجالات المؤسسة الأمنية الجزائرية وأكثرهم نفوذا.
وتلاحقه اليوم اتهامات تتعلق بإخفاء أسلحة ووثائق حساسة والتخابر مع جهات خارجية، إضافة إلى ملفات مرتبطة بانتهاكات حقوقية تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، وهي ملفات أعادت إلى الواجهة طبيعة الصراعات الحادة داخل الأجهزة الأمنية الجزائرية، وهو مادفع "الجن" إلى محاولة الفرار الى الساحل الاسباني وفق مانقلته صحف اسبانية وفرنسية قبل أن يتم الاعلان عن اعتقاله وسط صمت رسمي جزائري.
وتذهب قراءات سياسية عديدة إلى أن المرحلة الحالية تتميز بإعادة توزيع شاملة للنفوذ داخل الجيش، إذ بدأت عملية الإبعاد في البداية ضد شخصيات محسوبة على جناح أحمد قايد صالح، قبل أن تمتد لاحقا إلى شخصيات قيل إنها قريبة من الجنرال توفيق، ثم وصلت تدريجيا إلى مسؤولين ارتبطت أسماؤهم بدائرة السعيد شنقريحة نفسها، ما يعكس حالة من انعدام الثقة داخل هرم السلطة العسكرية وتوجها مستمرا نحو تفكيك أي مركز قوة يمكن أن يشكل تهديدا مستقبليا للنظام القائم.
وفي مقابل هذه المرحلة المتوترة، تبدو المقارنة مع فترة حكم عبد العزيز بوتفليقة لافتة بالنسبة لكثير من المتابعين، إذ ورغم هيمنة المؤسسة العسكرية آنذاك على القرار السياسي، فإن الجزائر لم تعرف خلال تلك المرحلة الحجم نفسه من الاعتقالات الجماعية داخل صفوف كبار الضباط، كما أن إدارة التوازنات بين الأجنحة الأمنية والعسكرية كانت تتم غالبا عبر التسويات وإعادة توزيع النفوذ بدل اللجوء الواسع إلى السجون والمحاكم العسكرية.
كما يربط مراقبون بين حالة التوتر داخل المؤسسة العسكرية وبين الأداء الدبلوماسي والسياسي للجزائر خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل تعدد الأزمات الخارجية التي دخلتها البلاد منذ 2019، سواء مع المغرب أو مع دول إفريقية في منطقة الساحل، إضافة إلى التوترات المتكررة مع إسبانيا وفرنسا وبعض القوى الغربية، وهو مايفسر تصاعد منطق المقاربة الأمنية والعسكرية في تدبير الملفات الداخلية والخارجية حيث ساهم في تعميق الإحساس بوجود أزمة ثقة داخل النظام نفسه، الأمر الذي انعكس على طبيعة العلاقة بين مراكز القرار المختلفة.
وفي خضم هذه التحولات، تتحدث أوساط معارضة عن مناخ يسوده الخوف والتكتم داخل المؤسسة العسكرية، خصوصا مع تواتر التقارير حول ضغوط يتعرض لها ضباط سابقون وعائلات معتقلين، بالتوازي مع استمرار حملات الإقالات وإعادة التعيينات في مناصب حساسة داخل الجيش وأجهزة الاستخبارات الجزائرية، كما يجري الحديث عن وجود ثماني سجون عسكرية موزعة على مختلف النواحي العسكرية في البلاد، تستقبل عددا متزايدا من الضباط والمسؤولين السابقين.

تعليقات الزوار
لا تعليقات