أخبار عاجلة

الجنائية الدولية بمدينة لاهاي تفتح ملف معيتيقة الليبي

في قاعة المحكمة الجنائية الدولية بمدينة لاهاي الهولندية، بدأت واحدة من أكثر القضايا الليبية حساسية منذ سقوط نظام معمر القذافي، مع مثول القيادي السابق بجهاز الردع خالد الهيشري أمام الدائرة التمهيدية الأولى، في جلسات اعتماد التهم المتعلقة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية داخل سجن معيتيقة في طرابلس، في خطوة وصفتها المحكمة بأنها محطة مفصلية في مسار العدالة الدولية المرتبطة بالملف الليبي.
وتستمر جلسات اعتماد التهم حتى 21 أيار/ مايو الجاري، حيث يستمع القضاة إلى مرافعات الادعاء والدفاع وممثلي الضحايا، تمهيداً لاتخاذ قرار بشأن كفاية الأدلة المقدمة ضد الهيشري، وما إذا كانت القضية ستحال إلى مرحلة المحاكمة الكاملة أمام الدائرة الابتدائية.
ووجهت المحكمة إلى الهيشري 17 تهمة تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الفترة الممتدة من فبراير 2015 وحتى مطلع عام 2020، وتشمل القتل والتعذيب والاغتصاب والاستعباد والاضطهاد والحرمان الشديد من الحرية والمعاملة القاسية بحق محتجزين داخل سجن معيتيقة.
وخلال الجلسة الافتتاحية، قدم الادعاء العام صورة قاتمة عن طبيعة الانتهاكات التي شهدها السجن، حيث قالت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، نزهة شميم خان، إن الهيشري كان «معذباً سيئ السمعة» داخل سجن معيتيقة، مضيفة أن بعض الشهود أطلقوا عليه لقب «ملاك الموت» بسبب أساليب التعذيب التي كان يتبعها بحق المحتجزين.
وأضافت خان أن آلاف المدنيين الليبيين وغير الليبيين، بمن فيهم نساء وأطفال ومهاجرون أفارقة، تعرضوا للاعتقال والاحتجاز دون أساس قانوني داخل معيتيقة، في ظل ظروف وصفتها بغير الإنسانية، مؤكدة أن المحكمة ترى أن الجرائم جرت ضمن «نظام ممنهج من الانتهاكات» داخل أحد أكثر السجون إثارة للجدل في غرب ليبيا.
كما استعرض الادعاء شهادات قال إنها توثق إطلاق النار على المحتجزين وتعليقهم وضربهم بوسائل مختلفة، إلى جانب استخدام العنف الجنسي والإذلال بحق بعض المعتقلين، مؤكداً أن هذه الجرائم وقعت في ظل غياب أي محاسبة حقيقية داخل ليبيا.
وأكدت نائبة المدعي العام أن القضية تحمل دلالة خاصة، باعتبارها المرة الأولى التي ينجح فيها القضاء الدولي في جلب مشتبه به ليبي إلى لاهاي منذ فتح التحقيق في الملف الليبي عام 2011».
في المقابل، حاول فريق الدفاع التشكيك في طبيعة الاتهامات الموجهة إلى موكله، حيث قال محامي الهيشري إن الوقائع «جرى تكييفها على خلاف الحقيقة»، مضيفاً أن سجن معيتيقة لم يكن تابعاً لجهاز الردع، بل لوزارة العدل والنيابة العامة الليبية، وأن جهاز الردع «جهة حكومية أُنشئت بقرارات رسمية وليست جماعة مسلحة».
كما اعتبر الدفاع أن الادعاء يخلط بين المسؤولية الفردية والمسؤولية المؤسسية، في وقت يسعى فيه إلى نفي أي دور مباشر للهيشري في الجرائم المزعومة.
وبرز اسم خالد الهيشري، المعروف بلقب «البوطي»، خلال سنوات الفوضى الأمنية التي أعقبت 2011، كأحد أبرز القادة الميدانيين داخل جهاز الردع، وارتبط اسمه مراراً بتقارير حقوقية وأممية تحدثت عن انتهاكات داخل سجن معيتيقة الذي تحول خلال سنوات النزاع إلى أحد أكبر مراكز الاحتجاز في العاصمة طرابلس.
وكانت السلطات الألمانية قد ألقت القبض على الهيشري في تموز/ يوليو 2025 بناء على مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، قبل أن يتم تسليمه إلى لاهاي في ديسمبر من العام نفسه، ليظهر لأول مرة أمام المحكمة في الثالث من ديسمبر 2025.
وتأتي هذه التطورات القضائية بالتزامن مع جدل واسع أثارته أحكام البراءة التي أصدرتها محكمة استئناف طرابلس بحق عدد من رموز نظام القذافي في قضية قمع متظاهري شباط / فبراير 2011، وهو ما أعاد النقاش داخل ليبيا حول مسار العدالة الانتقالية، وحدود المحاسبة، وإمكانية تحقيق إنصاف حقيقي لضحايا الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
ويرى متابعون أن محاكمة الهيشري قد تفتح الباب أمام ملفات أخرى تتعلق بالسجون والانتهاكات التي ارتبطت بمجموعات مسلحة وأجهزة أمنية في مختلف مناطق ليبيا، خاصة مع تزايد الضغوط الدولية المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن جرائم التعذيب والاختفاء القسري والقتل خارج القانون.
وفي ظل الانقسام السياسي والأمني الذي تعيشه البلاد منذ سنوات، تبقى قضية الهيشري اختباراً جديداً لقدرة القضاء الدولي على التحرك داخل الملف الليبي، في وقت لا تزال فيه عائلات ضحايا الانتهاكات تنتظر كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، وسط مخاوف متزايدة من استمرار الإفلات من العقاب وتعثر مسارات العدالة داخل البلاد.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات