في لحظة تشهد فيها القارة الإفريقية سباقا متسارعا نحو إعادة رسم خرائط الاستثمار والطاقة والتنمية، تسعى موريتانيا إلى تقديم نفسها باعتبارها واحدة من الوجهات الاقتصادية الصاعدة في غرب إفريقيا، مستفيدة من احتياطاتها الغازية الضخمة، وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، وإمكاناتها المتزايدة في مجال الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.
وفي هذا السياق، حملت مشاركة الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في قمة الرؤساء التنفيذيين في إفريقيا بالعاصمة الرواندية، كيغالي، رسائل واضحة للمستثمرين والشركاء الدوليين مفادها أن نواكشوط قررت فتح أبوابها أمام رؤوس الأموال الأجنبية، واضعة الطاقة النظيفة والتحول الاقتصادي في صدارة رهاناتها المستقبلية.
ويأتي هذا الحضور الموريتاني في واحد من أكبر المنتديات الاقتصادية الإفريقية، في وقت تتزايد فيه المنافسة بين الدول الإفريقية على جذب الاستثمارات المرتبطة بالتحول الطاقوي العالمي، وسط طلب دولي متنام على الغاز الطبيعي ومشاريع الطاقة النظيفة. وبينما تراهن نواكشوط على مواردها المعدنية والطاقوية والزراعية لتعزيز موقعها داخل الاقتصاد الإفريقي الجديد، تبدو مشاركتها في المنتدى محاولة لتسويق صورة بلد يسعى إلى الانتقال من اقتصاد هامشي يعتمد على تصدير المواد الخام، إلى اقتصاد أكثر تنوعا وانفتاحا وقدرة على استقطاب المشاريع الكبرى.
وتحاول موريتانيا، عبر هذه المشاركة، وفي وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية العالمية وتشتد فيه المنافسة على جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال، تثبيت موقعها داخل الخارطة الاقتصادية الإفريقية الجديدة، مستفيدة من مواردها الطاقوية والمعدنية والزراعية، ومن موجة الاهتمام الدولي المتزايدة بالقارة السمراء.
ويُعد المنتدى، الذي يجمع قادة الدول والرؤساء التنفيذيين لكبرى الشركات وصناديق الاستثمار والمؤسسات المالية الدولية، أحد أبرز المنصات الاقتصادية في القارة، حيث يناقش هذا العام مفهوم «الملكية المشتركة»، وسبل بناء شركات إفريقية أكثر قدرة على المنافسة عالميا، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد الدولي.
ولم تقتصر مشاركة الرئيس الموريتاني على الحضور البروتوكولي، بل برز من خلال ترؤسه جلسة نقاش رفيعة حول الزراعة والتنمية الزراعية، على هامش قمة «إفريقيا إلى الأمام» المنعقدة في العاصمة الكينية نيروبي.
وخلال مداخلته، رسم الرئيس الغزواني صورة للتحديات البنيوية التي تواجه القارة الإفريقية، مشيرا إلى المفارقة الكبرى المتمثلة في امتلاك إفريقيا لأكثر من 60 بالمائة من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة عالميا، مقابل استمرارها في استيراد الغذاء بما يناهز 115 مليار دولار سنويا.
واعتبر أن هذا الواقع يعكس اختلالا هيكليا يقوم على تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات المصنعة، وهو ما يجعل الأمن الغذائي الإفريقي رهينة للتقلبات الدولية والأزمات الاقتصادية والمناخية.
وفي قراءة تعكس وعيا متزايدا بخطورة التغيرات المناخية، أكد الرئيس الموريتاني أن محدودية الأراضي المروية، التي لا تتجاوز 6 بالمائة من إجمالي الأراضي الزراعية الإفريقية، تجعل الإنتاج الزراعي شديد الارتباط بالأمطار وتقلباتها، في وقت تتزايد فيه التحديات المناخية والجفاف والتصحر.
كما أشار إلى أن ضعف المردودية الزراعية في القارة لا يرتبط فقط بالمناخ، بل كذلك بضعف المكننة، ومحدودية الوصول إلى المدخلات الزراعية الجيدة، وغياب البنى التحتية الخاصة بالتخزين والنقل والتحويل الصناعي.
ولعل أبرز ما حملته مداخلة الرئيس الغزواني هو الدعوة إلى تغيير النظرة التقليدية للقطاع الزراعي في إفريقيا، عبر تحويله من مجرد نشاط معيشي إلى محرك للتصنيع والتنمية الاقتصادية الشاملة.
وفي هذا الإطار، شدد على ضرورة تعبئة الخبرات الدولية وتعزيز الشراكات مع أوروبا وفرنسا في مجالات البحث الزراعي والتكوين والابتكار، بما يسمح ببناء سلاسل قيمة زراعية قادرة على تحقيق السيادة الغذائية وخلق فرص العمل.
كما دعا إلى تحفيز المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين للدخول بقوة إلى القطاع الزراعي، مع توفير التمويلات الضرورية لريادة الأعمال في مجال الصناعات الزراعية والتحويل الغذائي.
ولم يغفل الرئيس الموريتاني أهمية المبادرات البيئية الكبرى، مثل مبادرة السور الأخضر الكبير، باعتبارها إحدى الأدوات الاستراتيجية لتعزيز قدرة القارة على الصمود أمام التحديات المناخية.
البحث عن موقع
ويرى مراقبون أن الحضور الموريتاني في هذا المنتدى الاقتصادي يعكس محاولة واضحة لتقديم البلاد باعتبارها وجهة استثمارية صاعدة، خاصة بعد الاكتشافات الغازية الكبرى والتوجه نحو مشاريع الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر.
وفي هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي والوزير السابق محمد ولد العابد أن مشاركة موريتانيا في المنتدى تمثل «محطة مهمة» ضمن استراتيجية تعزيز التحول الاقتصادي واستقطاب الاستثمارات الأجنبية.
وأوضح أن المنتدى اكتسب ثقلا متزايدا منذ إطلاقه سنة 2012، بفضل شراكته مع مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي، وتحوله إلى فضاء لعقد الشراكات الاقتصادية وإطلاق المشاريع الاستثمارية الكبرى.
وأشار ولد العابد إلى أن موريتانيا تراهن اليوم على استثمار مواردها الغازية، خاصة حقل «بير الله» والحقل المشترك مع السنغال، إلى جانب تطوير قطاعات المعادن والصيد والزراعة المروية والطاقة النظيفة.
الهيدروجين الأخضر رهان المستقبل
ومن بين أبرز الملفات التي تحاول موريتانيا تسويقها للمستثمرين الدوليين، ملف الهيدروجين الأخضر، الذي أصبح يحظى باهتمام عالمي متزايد باعتباره أحد مصادر الطاقة النظيفة المستقبلية.
وبحسب ولد العابد، فإن موريتانيا بدأت بالفعل توقيع شراكات مع مستثمرين دوليين، خصوصا من ألمانيا، للاستفادة من الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها البلاد في مجال الطاقة المتجددة.
ويرى خبراء أن نجاح هذا الرهان يظل مرتبطا بقدرة موريتانيا على تسريع الإصلاحات الاقتصادية، وتحسين مناخ الأعمال، وتطوير البنية التحتية، وتأهيل اليد العاملة الوطنية، حتى تتمكن من المنافسة داخل السوق الإفريقية المتنامية.
بين الطموح والتحديات
ورغم المؤشرات الإيجابية التي تراهن عليها نواكشوط، فإن الطريق نحو التحول الاقتصادي لا يزال محفوفا بجملة من التحديات، أبرزها الحاجة إلى بنية تحتية قوية، وإدارة فعالة للموارد، وتطوير منظومة التعليم والتكوين المهني، إضافة إلى تعزيز الشفافية والحكامة الاقتصادية.
غير أن مشاركة موريتانيا في المنتديات الاقتصادية الإفريقية الكبرى توحي بأن البلاد تسعى إلى الانتقال من موقع الاقتصاد الهامشي إلى فاعل إقليمي يبحث عن موطئ قدم داخل الاقتصاد الإفريقي الجديد، الذي تتشكل ملامحه اليوم على وقع التحولات الطاقوية والرقمية والغذائية العالمية.
وفي ظل هذا الحراك، تبدو نواكشوط أمام فرصة تاريخية لتحويل مواردها الطبيعية إلى أدوات للنمو والتنمية المستقرة، شرط أن تنجح في ربط الثروة بالإصلاح، والاستثمار بالتنمية، والطموح الاقتصادي بالقدرة الفعلية على التنفيذ.

تعليقات الزوار
لا تعليقات