بدأ وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان اليوم الاثنين زيارة إلى الجزائر على رأس وفد قضائي، فيما أفادت مصادر مطلعة بأن المباحثات ستركز على قضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز المسجون في الجزائر بتهمة "تمجيد الإرهاب". وينظر إلى الزيارة كفرصة لطي صفحة التوتر بين البلدين، خاصة بعد مؤشرات التهدئة الأخيرة، ومن بينها استئناف السفير الفرنسي ستيفان روماتييه مهامه في الجزائر، والرسالة التي بعث بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى نظيره الجزائري عبدالمجيد تبون الأسبوع الماضي.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن المحادثات ستتناول ملفات التعاون وتسليم المطلوبين والتنسيق الأمني، فيما يبدو أن البلدين يسعيان إلى استثمار قنوات الحوار القضائي لإعادة ترميم الثقة، خاصة بعدما أدت الخلافات المتراكمة إلى تعطيل العديد من الملفات، من بينها التنسيق في قضايا الهجرة.
ويعتقد متابعون أن باريس باتت تدرك تداعيات استمرار القطيعة مع الجزائر بالنظر إلى أهمية الأخيرة كشريك في عدة ملفات حيوية من بينها الأمن في منطقة المتوسط والساحل الإفريقي والطاقة، فيما تبدو الجزائر بدورها معنية بإعادة ضبط العلاقة مع فرنسا ضمن مقاربة تقوم على المصالح المتبادلة دون التخلي عن خطاب "الندية والسيادة".
ووصلت العلاقات الجزائرية الفرنسية عام 2024 إلى طريق مسدود إثر التصعيد الذي قابلت به الجزائر إعلان باريس عن دعمها لسيادة المغرب على صحرائه وتأييدها للحل المغربي كأساس وحيد لتسوية القضية، بالإضافة إلى الخلافات بشأن عدة ملفات من بينها ملف الذاكرة المتعلق بالفترة الاستعمارية والهجرة، فضلا عن التباين في وجهات النظر بشأن عدة قضايا إقليمية، ما أدى إلى فتور غير مسبوق بين البلدين رغم المصالح الاقتصادية والأمنية الكبيرة التي تجمعهما.
ولا يستبعد أن تمهد زيارة دارمانان لخطوات سياسية ودبلوماسية أوسع خلال الفترة المقبلة، خصوصا إذا نجح الطرفان في معالجة الملفات القضائية العالقة بعيدا عن التصعيد الإعلامي والسياسي الذي طبع المرحلة السابقة.
وفي ظل التحولات الإقليمية المتسارعة والتحديات الأمنية في الساحل والهجرة غير النظامية، تبدو باريس والجزائر أمام حاجة متبادلة لإعادة بناء قنوات التواصل، بما يسمح بطي صفحة التوتر واستعادة الحد الأدنى من الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
كما تأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه فرنسا تراجعا لنفوذها في أفريقيا، خاصة في منطقة الساحل، ما يدفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية والبحث عن إعادة ترميم علاقاتها مع شركاء أساسيين مثل الجزائر.
ويعتقد مراقبون أن الرسالة التي وجهها ماكرون إلى تبون حملت إشارات سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ فسرت على أنها محاولة فرنسية لإعادة إطلاق الحوار المباشر مع الرئاسة الجزائرية بعد مرحلة من البرود وعدم الثقة.
ولا يستبعد أن تفتح زيارة دارمانان الباب أمام تبادل زيارات سياسية ودبلوماسية أوسع خلال الفترة المقبلة، وربما إعادة تنشيط اللجان المشتركة التي تعطلت أعمالها خلال فترة الأزمة، إذا ما نجح البلدان في تجاوز الملفات الخلافية الأكثر حساسية.

تعليقات الزوار
لا تعليقات