دخل ملف العلاقات مع الجزائر مبكرا في أجندة كبار السياسيين الفرنسيين المرشحين لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في الانتخابات المرتقبة سنة 2027. ودفع التقارب الجزائري الفرنسي الأخير، العديد منهم إلى التعليق، بشكل أظهر انقساما واضحا بين يسار يريد تحسين العلاقات ويمين يرفض ما يسميه بمنطق “الخضوع للجزائر”.
وجاءت موجة المواقف الجديدة بعد الخطوات الأخيرة التي شهدتها العلاقات بين البلدين، أي منذ إعلان الرئيس الفرنسي رفضه سياسة القطيعة التي يدفع إليها “مهابيل فرنسا”، ثم مشاركة الوزيرة الفرنسية المنتدبة المكلفة بقدامى المحاربين لدى وزارة الجيوش، أليس روفو، في إحياء ذكرى مجازر 8 ماي 1945 بسطيف، وعودة السفير الفرنسي ستيفان روماتيه إلى الجزائر بعد أكثر من سنة من استدعائه إلى باريس، إضافة إلى استئناف التعاون في ملفات الذاكرة والهجرة والأمن والقضاء والاقتصاد.
وفي خضم هذا الجدل، دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من جديد، بعد عودة السفير، عن خيار التهدئة مع الجزائر، داعيا إلى “علاقة هادئة بعيدا عن المزايدات السياسية الداخلية”. وخلال زيارة له إلى كينيا، شدد ماكرون على أهمية الحفاظ على الحوار والتعاون مع الجزائر، مجددا رفضه للأصوات المطالبة بسياسة أكثر تشددا تجاهها.
وبرز في ردود الفعل الأولى على التطورات الأخيرة، رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومينيك دو فيلبان كأحد أهم الشخصيات الداعية إلى تحسين العلاقات مع الجزائر، وهو شخصية تحسب على اليمين فكريا لكنه يتبنى نهجا مخالفا تماما لأحزاب اليمين الحالية. ففي تصريحات لإذاعة “فرانس أنتير”، اعتبر أن هناك “إشارات متبادلة” بين البلدين، مستشهدا بمشاركة أليس روفو في إحياء ذكرى مجازر 8 ماي 1945 وعودة السفير الفرنسي إلى الجزائر.
وقال دو فيلبان وهو من بين المرشحين المحتملين لرئاسة فرنسا، إن “هناك ذوبانا للجليد في العلاقات الأمنية” بين باريس والجزائر، مؤكدا أن هذه العلاقات “مهمة جدا” للطرفين، مضيفا أن “الأمور تعود تدريجيا إلى طبيعتها”. كما وصف الجزائر بأنها “بلد محوري في منطقة المغرب العربي”، في إشارة إلى أهمية الحفاظ على علاقات مستقرة معها.
أما زعيم حزب “فرنسا الأبية” جان لوك ميلونشون، فكان من أكثر السياسيين الفرنسيين دعما للتقارب مع الجزائر. ففي مقابلة مع قناة “أل سي إي”، أعلن تأييده الكامل للتوجه الجديد الذي يقوده ماكرون، معتبرا أنه “أكثر ذكاء وواقعية” من مواقف برونو روتايو.
وقال ميلونشون الذي أعلن رسميا دخوله السباق الانتخابي، إن روتايو “يريد إعادة حرب الجزائر”، داعيا بدلا من ذلك إلى مواصلة الحوار مع الجزائريين “إلى غاية التفاهم”. وأضاف أن فرنسا والجزائر “بحاجة إلى استئناف علاقات طبيعية بعيدا عن التوتر الدائم”.
في المقابل، برزت داخل اليمين الفرنسي أصوات معارضة بشدة لهذا التقارب، وعلى رأسها برونو روتايو، الذي أصبح المرشح الرسمي لحزب “الجمهوريين” للانتخابات الرئاسية المقبلة. ويرفض روتايو سياسة “المصالحة” التي يقودها ماكرون مع الجزائر، معتبرا أنها تمثل “طريقا مسدودا”. وفي رسالة مفتوحة وجهها إلى الرئيس الفرنسي، اتهم ماكرون بانتهاج ما وصفه بـ”سياسة استسلام” تجاه الجزائر.
وقال روتايو إن فرنسا أصبحت “رهينة للابتزاز المرتبط بالذاكرة”، معتبرا أن السلطات الجزائرية تستخدم ملف الماضي الاستعماري ضد باريس. كما طالب بسياسة “حزم” تجاه الجزائر، خاصة في ملفات الهجرة وترحيل الجزائريين الموجودين بصفة غير قانونية في فرنسا.
واتهم الرئيسَ الفرنسي بعرقلة مشروع “الرد التدريجي” الذي كان قد اقترحه خلال وجوده في الحكومة، كما انتقد رفض ماكرون مراجعة اتفاقيات 1968 المنظمة للهجرة بين البلدين.
أما رئيس الوزراء الفرنسي السابق إدوار فيليب، الذي يعد بدوره من أبرز المرشحين للرئاسة، فقد عبّر عن موقف متشدد تجاه الجزائر، قائلا إنه “لن يقبل بأن تستمر فرنسا في منح الامتيازات لدولة لا تتوقف عن انتقاد فرنسا”. ويصنف إدوار فيليب ضمن التيار اليميني المعتدل الداعي إلى مراجعة العلاقات مع الجزائر، خاصة في ملفات الهجرة والامتيازات القنصلية والاتفاقيات الثنائية.
كما يواصل رئيس حزب “التجمع الوطني” جوردان بارديلا، الذي يطرح اسمه باستمرار كمرشح محتمل للرئاسة، الدفاع عن خط سياسي متشدد تجاه الجزائر، خاصة في ملفات الهجرة والذاكرة والسيادة، ضمن التوجه العام الذي يتبناه اليمين القومي الفرنسي.
ويأتي هذا الانقسام الفرنسي في وقت تشهد فيه العلاقات الجزائرية الفرنسية محاولات لإعادة بناء الثقة بعد أزمة دبلوماسية وسياسية غير مسبوقة استمرت نحو سنتين، على خلفية ملفات الذاكرة والهجرة والصحراء الغربية والتعاون الأمني.
وبين دعوات التهدئة والحوار التي يقودها جزء من اليسار وبعض الشخصيات اليمينية، ومطالب التشدد والقطيعة التي يرفعها جزء واسع من اليمين، يبدو أن ملف الجزائر سيكون أحد أبرز ملفات السجال السياسي في فرنسا خلال الطريق نحو انتخابات الرئاسة المرتقبة سنة 2027.
ويمثل الفرنسيون من أصول جزائرية أو المرتبطون بتاريخ الجزائر خلال الفترة الاستعمارية، كتلة انتخابية مؤثرة تشهد بدورها انقساما واضحا ينعكس مباشرة على مواقف الطبقة السياسية الفرنسية من الجزائر. ففي حين تميل فئات واسعة من أبناء الجالية الجزائرية والمهاجرين إلى دعم الخطابات الداعية للتهدئة وتحسين العلاقات الثنائية، يصوت جزء كبير من “الأقدام السوداء” وأحفادهم، إضافة إلى الحركى، لصالح أحزاب اليمين واليمين المتطرف التي تتبنى خطابا أكثر تشددا تجاه الجزائر، خاصة في ملفات الذاكرة والهجرة.
ويجعل هذا الانقسام ملف العلاقات الجزائرية الفرنسية حاضرا بقوة في الحملات الانتخابية، حيث يسعى اليسار إلى استقطاب الناخبين المؤيدين للمصالحة، بينما يركز اليمين على خطاب “الحزم” ورفض ما يعتبره “تنازلات” أو “خضوعا” للجزائر.

تعليقات الزوار
لا تعليقات