دعا رئيس حركة النهضة الإسلامية التونسية راشد الغنوشي إلى إطلاق "حوار وطني لا يستثني أحدا" للتوافق على مقاربة لمعالجة الأزمات التي تواجه البلاد، وذلك في رسالة نشرها من داخل سجنه بالمرناقية بعد ثلاث سنوات على توقيفه، في خطوة يراها مراقبون محاولة للفت الانتباه وإعادة التموضع السياسي والترويج لوجود اقصاء، في سردية تروج لها الحركة الإسلامية التي يقول محللون تونسيون، إنها فقدت تأثيرها وما كانت تحظى به من قبول نسبي بعد انكشاف ملفات الفساد خلال فترة حكمه والذي يصفه البعض بـ"العشرية السوداء".
واعتبر الغنوشي أن بناء "الدولة الاجتماعية" يظل مرتبطا بالديمقراطية، في إشارات مدروسة يريد من خلالها الإيحاء بأن السلطة التنفيذية في تونس "غير ديمقراطية". كما أشار إلى أن توقيفه جاء على خلفية خطاب سابق، مدعيا أن قضيته "سياسية" وأنه يفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة، في وقت تتواصل فيه ملاحقته في عدة ملفات قضائية، وهو ما تشكك مصادر متطابقة قانونية وسياسية في صحتها، مؤكدة أن الكلمة الفصل في هذه القضية بيد القضاء وحده والذي أظهر حتى الآن تعاملا مستقلا ومهنيا في إدارة الملف رغم محاولات الشيطنة من قبل الذباب الالكتروني لحركات الإسلام السياسي.
غير أن رسالة الغنوشي، وفق قراءات تحليلية، لا تخرج عن كونها محاولة عبثية لتبرئة ساحته مما هو منسوب إليه من اتهامات ثقيلة، خاصة في ظل تعدد القضايا المرتبطة بملفات 'التسفير' و'اللوبيينغ' و'التآمر على أمن الدولة'. ويؤكد متابعون أن الوقائع المتراكمة داخل هذه الملفات تشير إلى أن القضايا تستند إلى معطيات وأدلة، لا إلى خلفيات سياسية كما تحاول حركة النهضة تسويق روايتها.
ويذهب هؤلاء إلى أن سردية "تسييس القضاء" التي تروج لها الحركة وبعض الأطراف القريبة منها، قد اصطدمت بما يعتبرونه "صخرة الأدلة"، التي أضعفت من قدرتها على إقناع الرأي العام، خاصة مع استمرار ملاحقة عدد من قيادات النهضة في قضايا متشعبة.
ويُنظر إلى دعوة الغنوشي للحوار كجزء من استراتيجية "الهروب إلى الأمام"، عبر تقديم نفسه كطرف قادر على المساهمة في إنقاذ البلاد، رغم موقعه القانوني كمتهم في قضايا لا تزال منشورة أمام القضاء. ويعتبر محللون أن هذا الخطاب يفصل بين الواقع القضائي المعقد والخطاب السياسي الذي يحاول إعادة تشكيل صورة الرجل.
في المقابل، يبرز مسار التقاضي الممتد لسنوات كدليل على أن القضاء التونسي يعمل وفق إجراءاته الطبيعية، حيث تستغرق القضايا وقتها الكامل عبر مختلف درجات التقاضي، بما يعكس بحسب متابعين، غياب أي تدخل مباشر من السلطة التنفيذية، وحرصها على توفير الظروف الملائمة لمحاكمات عادلة.
كما يشير هؤلاء إلى أن طول أمد القضايا وتعقيدها يتنافى مع فرضية التوظيف السياسي السريع، ويؤكد أن الملفات تخضع لمسار قانوني دقيق، في وقت تستثمر فيه بعض قوى المعارضة هذه القضايا لتغذية خطاب يتهم السلطة التنفيذية بالسعي إلى تصفية خصومها السياسيين.
وبين رواية تتحدث عن "محاكمات سياسية"، وواقع قضائي يتقدم بخطى بطيئة لكن ثابتة، تبقى رسالة الغنوشي، في نظر كثيرين، محاولة لإعادة صياغة المشهد من زاوية سياسية، في حين تظل الكلمة الفصل بيد القضاء، استنادا إلى ما يتوفر لديه من أدلة وقرائن، بعيدا عن السجالات والخطابات الدعائية.
والثلاثاء، قضت محكمة تونسية بالسجن 20 عاما بحق الغنوشي، و3 قياديين آخرين بحركة النهضة، وذلك في القضية المعروفة إعلاميا بـ"المسامرة الرمضانية"، وفق إذاعة "موزاييك" الخاصة.
وإعلاميا تُسمى هذه قضية "المسامرة"، لأن الغنوشي وآخرين أدلوا بالتصريحات المنسوبة إليهم خلال مسامرة رمضانية نظمتها جبهة الخلاص الوطني المعارضة عام 2023، الواجهة السياسية لحركة النهضة.
وفي 17 أبريل/نيسان 2023، اعقتلت قوات الأمن الغنوشي (84 عاما)، قبل أن تقضي محكمة ابتدائية بإيداعه السجن بتهمة الإدلاء بتصريحات "تحرض على الفوضى والعصيان".
وصدرت بحق زعيم النهضة أحكام بالسجن في قضايا أخرى، ففي 2 فبراير/شباط الماضي، رفعت محكمة الاستئناف بالعاصمة الحكم الصادر بحقه بالسجن من 14 سنة إلى 20 سنة في قضية معروفة إعلاميا بـ"التآمر على أمن الدولة 2".
وفي 26 يناير/كانون الثاني الماضي، أصدرت المحكمة الابتدائية حكما بالسجن 3 سنوات على الغنوشي في قضية "التمويل الأجنبي".
ومنتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قضت المحكمة الابتدائية بسجن الغنوشي عامين "على خلفية تبرعه بقيمة جائزة دولية" حصل عليها عام 2016 لصالح جمعية الهلال الأحمر. ويرفض زعيم النهضة، حضور أي محاكمة، ويعتبر أن هذه المحاكمات "تصفية حسابات سياسية"، بينما تقول السلطات إن القضاء مستقل ولا تتدخل في عمله.
وتقول السلطات التونسية إن جميع الموقوفين في البلاد يُحاكمون بتهم جنائية، مثل "التآمر على أمن الدولة" أو "الفساد"، وتنفي وجود محتجزين لأسباب سياسية. بينما تقول أطياف من المعارضة ومنظمات حقوقية إن هذه القضايا ذات "طابع سياسي"، و"تُستخدم لتصفية الخصوم السياسيين".

تعليقات الزوار
لا تعليقات