تواصل الأحزاب الجزائرية المعنية بجمع التوقيعات للمشاركة في الانتخابات التشريعية المقررة مع بداية شهر جويلية المقبل، تحركاتها الميدانية لإقناع المواطنين بتوقيع الاستمارات لصالح مرشحيها، وسط شكاوى من عراقيل إدارية تواجهها، ودعوات للسلطات المعنية باستدراك الخلل.
وفي آخر موقف له، عبّر حزب العمال عن قلقه من جملة اختلالات قال إنها أثرت على عملية جمع التوقيعات منذ بدايتها، مشيرا إلى تأخر تسلم استمارات التوقيعات الفردية لأكثر من أسبوع بعد استدعاء الهيئة الناخبة، وهو ما اعتبره مخالفة قانونية تقلص الآجال المخصصة لجمع التزكيات. وأوضح الحزب في بيان له أن هذه الوضعية تعود، حسبه، إلى عدم توفر الاستمارات أو عدم تعيين منسقين على مستوى ممثليات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.
وأضاف الحزب أن هذه العراقيل لم تتوقف عند هذا الحد، بل امتدت إلى مرحلة المصادقة على استمارات الترشح على مستوى البلديات، حيث سجل غياب تعيين الأعوان المكلفين بهذه العملية في العديد من البلديات عبر مختلف الولايات، ما أدى إلى تذمر المواطنين الذين يتنقلون عدة مرات دون تمكنهم من إتمام الإجراءات المطلوبة. واعتبر الحزب أن هذه الممارسات تعيد إلى الأذهان “أساليب سابقة” ساهمت في عزوف واسع عن المسارات الانتخابية.
ورغم الإشارة في قانون الانتخابات إلى إمكانية اللجوء إلى محضرين قضائيين أو موثقين أو مترجمين محلفين للمصادقة على التوقيعات، شدد حزب العمال على أن البلديات تبقى الجهة الأنسب للقيام بهذه العملية بحكم توفرها على الوسائل البشرية ومعرفة المواطنين بمقارها، خلافا للمهن الحرة التي لا تتوفر بشكل كاف ولا يسهل الوصول إليها بالنسبة للناخبين.
وطرح الحزب تساؤلات حول مدى توفر الشروط الإدارية اللازمة لضمان حسن سير العملية الانتخابية قبل استدعاء الهيئة الناخبة، خاصة في ظل استمرار العراقيل رغم الاتصالات مع السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات. كما أشار إلى تلقيه اتصالات من أحزاب وقوائم مستقلة أخرى تواجه نفس الصعوبات، معتبرا أن هذه الاختلالات قد تعكس، حسب تقديره، نوايا إقصاء سياسي على المستوى المحلي تستهدف بعض القوائم.
وعبّر الحزب عن رفضه لهذه الوضعية، مطالبا بتعويض الأيام الضائعة بسبب تأخر تسليم الاستمارات، ومحاسبة الجهات المعنية، مع التعجيل بتعبئة عدد كاف من الأعوان للمصادقة على التوقيعات. كما حذر من أن استمرار هذه العراقيل من شأنه زرع الشك لدى المواطنين وتقويض الثقة في العملية الانتخابية، داعيا السلطات إلى اتخاذ إجراءات فورية لرفعها، حفاظا على مصداقية الانتخابات وتعزيزا للإقبال المسجل، خاصة لدى فئة الشباب.
من جهته، ركز التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية على ما وصفه بـ”الغلق الإداري” الذي يعيق عملية المصادقة على التوقيعات، مسجلا وضعية خاصة في ولاية بجاية التي تعد من ابرز معاقله، حيث اعتبر أن ما يحدث لا يمكن اعتباره مجرد خلل إداري، بل يمثل عرقلة صريحة للمسار الديمقراطي.
وأوضح الحزب أن عددا من البلديات يرفض فيها المسؤولون التوقيع والمصادقة على استمارات التزكية، رغم التعليمات الصادرة عن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، متسائلا عن جدوى هذه التعليمات في ظل عدم تطبيقها ميدانيا. وأشار إلى أن ثلاث بلديات فقط من أصل 52 بلدية بالولاية تقوم بعملية المصادقة في ظروف عادية، معتبرا أن هذا الرقم يعكس، حسب وصفه، وجود إرادة سياسية متفاوتة في تطبيق القانون.
ورأى التجمع أن الأمر يتجاوز حالات معزولة، ليرقى إلى ما اعتبره “نظام عرقلة منظم” يهدف إلى التحكم في الولوج إلى المنافسة الانتخابية، محذرا من أن منع المصادقة على التوقيعات يعني عمليا إقصاء مرشحين ومنع المواطنين من الاختيار، بما يمس بمبدأ المساواة بين الفاعلين السياسيين.
وحمل الحزب الإدارة مسؤولية هذه الوضعية، مؤكدا أن دورها يتمثل في ضمان نزاهة العملية الانتخابية وليس توجيهها أو عرقلتها، كما انتقد أداء السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، معتبرا أن الاكتفاء بإصدار تعليمات دون ضمان تنفيذها يطرح تساؤلات حول فعاليتها ويؤثر على مصداقيتها.
ودعا التجمع إلى تدخل فوري لفرض احترام القانون عبر كامل تراب الولاية، محذرا من أن استمرار هذه الممارسات يهدد نزاهة الانتخابات ويقوض ثقة المواطنين في المؤسسات.
في المقابل، تبنّت جبهة القوى الاشتراكية مقاربة مختلفة، حيث ركزت على البعد السياسي للمشاركة في الانتخابات بدل الخوض في تفاصيل العراقيل التقنية، إذ اعتبر أمينها الوطني الأول، يوسف أوشيش، أن المشاركة في الاستحقاقات المقبلة لا تمثل مجرد إجراء شكلي أو حسابا سياسيا ضيقا، بل تندرج ضمن التزام نضالي يهدف إلى الدفع بالمسار الديمقراطي.
وأكد أوشيش أن بناء “المرونة الوطنية” يتطلب انخراطا شعبيا واعيا وسيادة وطنية، مشددا على أن مواجهة التحديات الراهنة تستوجب شعبا فاعلا ومشاركا في تقرير مصيره. واعتبر أن هذه المقاربة تقتضي جهدا جماعيا لبناء عقد سياسي واجتماعي جديد يعزز قدرات الدولة على مواجهة الصدمات.
وفي ما يتعلق بالانتخابات، أوضح أن مشاركة الحزب تأتي كوسيلة للتغيير السلمي والدفاع عن الحقوق والحريات، وفتح آفاق أمام قوى التغيير، مشيرا إلى أن الاستحقاقات الانتخابية تمثل فضاء للنضال من أجل الكرامة والعدالة. كما قدم الحزب نفسه كقوة اقتراح تسعى إلى تقديم بدائل سياسية، داعيا إلى تعبئة واعية تقوم على الانخراط بدل العزوف.
وشدد على أن التغيير لا يتحقق بالانسحاب أو الاستسلام، بل عبر التزام جماعي ومسؤول، داعيا مناضلي الحزب إلى التركيز على العمل السياسي المنظم وتعزيز النقاش العام، بعيدا عن الممارسات الشعبوية، بهدف ترسيخ قيم الحرية والعدالة والتضامن داخل المجتمع.
وتواجه هذه الأحزاب السياسية تحديدا وغيرها، تحديات كبيرة بالنظر لحاجتها لجمع التوقيعات اللازمة لإعداد القوائم، خاصة أنها قاطعت الانتخابات السابقة سنة 2021 أو لم تحصل على النصاب القانوني في الانتخابات الأخيرة. عكس ذلك، توجد التي حققت نسبة تفوق 4 بالمائة من الأصوات في الانتخابات التشريعية الأخيرة، أو التي تتوفر على عشرة منتخبين على الأقل في الدائرة الانتخابية، في راحة من أمرها، إذ يمكنها تقديم قوائم دون الحاجة إلى جمع التوقيعات.
ويلزم قانون الانتخابات الجديد، الأحزاب التي لا تتوفر على هذه الشروط، أو تلك التي تشارك لأول مرة، بجمع عدد محدد من التوقيعات من الناخبين، يتناسب مع عدد المقاعد المطلوب شغلها. وهنا، يشترط قانون الانتخابات الحصول على 150 توقيعا عن كل مقعد مطلوب شغله، وهو ما يتطلب جهدا كبيرا من قبل الأحزاب خاصة في الولايات الكبيرة. فمثلا الجزائر العاصمة التي بها 31 مقعد انتخابي، يتعين على الحزب الراغب في تقديم قائمة جمع نحو 6 آلاف توقيع بإضافة المقاعد الاحتياطية المفروضة في كل قائمة.
وكانت السلطة الوطنية للانتخابات، قد نبّهت إلى أن تشكيل التحالفات الحزبية لا يمكن أن يكون وسيلة لتجميع نسب الأصوات أو عدد المنتخبين من عدة أحزاب صغيرة من أجل بلوغ العتبة المطلوبة، مؤكدة أن كل حزب يُقيّم بشكل مستقل وفق نتائجه أو تمثيله الفعلي.
أما بالنسبة للقوائم الحرة، فقد أكدت السلطة أنها تخضع لنفس شرط جمع التوقيعات، حيث يتعين على أصحاب هذه القوائم دعم ملفاتهم بعدد من التوقيعات من الناخبين في كل دائرة انتخابية، مع تخفيض هذا العدد بالنسبة للدوائر الانتخابية في الخارج.
ويضاف إلى شروط تشكيل القوائم، ضرورة احترام التوازنات، من خلال تضمين نسبة معتبرة من النساء لا تقل عن الثلث، إضافة إلى تخصيص نصف الترشيحات للشباب دون سن الأربعين، مع اشتراط مستوى تعليمي جامعي لجزء من المترشحين. كما يجب أن يتجاوز عدد المترشحين في القائمة عدد المقاعد المتنافس عليها بهامش محدد، لضمان تعويض الشغور المحتمل.
أما فيما يخص شروط الترشح الفردية، فقد حددت سلطة الانتخابات مجموعة من المعايير الأساسية، من بينها أن يكون المترشح مسجلا في القوائم الانتخابية، وأن يبلغ 25 سنة على الأقل يوم الاقتراع، وأن يتمتع بالجنسية الجزائرية، مع تسوية وضعيته تجاه الخدمة الوطنية والإدارة الضريبية. كما يشترط ألا يكون المترشح قد أدين في قضايا خطيرة دون رد اعتبار، وألا يكون مرتبطا بأوساط المال المشبوه أو سبق له التأثير على نزاهة الانتخابات. كذلك يمنع الترشح لمن استوفى عهدتين برلمانيتين، أو لمن يشغل وظائف معينة دون احترام آجال الانسحاب القانوني.
وأمام الحاجة لملء القوائم، لم تتردد بعض الأحزاب في اللجوء إلى نشر إعلانات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لاستقطاب مرشحين محتملين. وقد تضمنت هذه الدعوات نداءات مفتوحة للمواطنين الراغبين في الترشح، مرفقة بشروط المشاركة وإجراءات إيداع الملفات، في محاولة لتدارك التأخر المسجل في جمع التوقيعات واستيفاء المتطلبات التنظيمية قبل انقضاء المهلة المحددة.

تعليقات الزوار
لا تعليقات