أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل أكبر مركزية نقابية في البلاد السبت، انتخاب القيادي النقابي صلاح الدين السالمي أمينًا عامًا جديدًا خلفًا لنورالدين الطبوبي، بعد فوز قائمته بكامل مقاعد المكتب التنفيذي. ويأتي هذا التغيير القيادي في ظل فترة وصفها كثيرون بأنها من أكثر الفترات توترًا وتعقيدًا في تاريخ المنظمة.
ويُعد السالمي من القيادات التي تثر جدلا داخل الاتحاد، إذ شغل مناصب قيادية سابقة، أبرزها الأمين العام المساعد المسؤول عن قطاع الدواوين والمنشآت العمومية، قبل أن يتصدر المشهد النقابي بفوزه الأخير.
وشملت قائمته عدداً من الأسماء البارزة، مثل وجيه الزيدي عن قطاع النقل، وجبران بوراوي الكاتب العام للاتحاد الجهوي بالعاصمة، وسلوان السميري، الكاتب العام للجامعة العامة للنفط والمواد الكيمياوية، وأحمد الجزيري من جامعة البنوك. كما حافظ عثمان جلولي وطاهر المزي البرباري على عضويتهما ضمن المكتب التنفيذي، في انتخابات ميزتها المنافسة الشديدة والانقسامات الداخلية.
ويأتي هذا التغيير بعد مرحلة مثيرة للجدل خلال ولاية الطبوبي، التي شهدت انتقادات واسعة، خاصة عقب تعديل النظام الداخلي المعروف بـ"الفصل 20" الذي أتاح التمديد لثلاث ولايات متتالية. كما تزايدت الخلافات بين مكونات الاتحاد وانتقدت بعض القيادات أسلوب إدارة العلاقة مع السلطة، ما أسهم في تصاعد التوترات قبل انعقاد المؤتمر الوطني للمنظمة في المنستير، والذي يُفترض أن يعيد ترتيب القيادة والهياكل النقابية بعد فترة من الصراعات.
وتركزت الخلافات على عدة محاور، أبرزها موعد انعقاد المؤتمر، إذ اختلفت الآراء بين من دعا إلى الحفاظ على الموعد المقرر في مارس/اذار 2026 وبين من طالب بتأجيله إلى 2027، معتبرًا أن الظروف الحالية لا تسمح بتهيئة البيت النقابي بشكل سليم. إضافة إلى ذلك، تصدرت قضية استقالة الطبوبي ثم التراجع عنها، جدلًا واسعًا داخل صفوف القيادات، فيما اعتبرت مجموعات معارضة أن المؤتمر قد يعمّق الانقسامات ويضعف صورة الحركة النقابية في البلاد، بل وأعلنت بعضها أنها ستطعن في قانونية المؤتمر وتطالب بإصلاحات شاملة تعكس تطلعات العمال بعيدًا عن البيروقراطية والتركيز على المناصب.
ولم تقتصر التوترات على الخلافات النظرية، بل تجسدت عمليًا في بعض المشاهد الغريبة، إذ تداولت وسائل إعلام محلية صورًا تظهر إغلاق مدخل الفندق الذي استضاف المؤتمر باستخدام سلاسل وجرار زراعي لمنع بعض النقابيين المعارضين من الدخول، ما أثار استنكارًا وسخرية واسعة على منصات التواصل الاجتماعي. ووصف بعض المراقبين هذا المشهد بـ"مؤتمر الجرار"، في إشارة إلى الغرابة والاستثنائية في سياق لقاء نقابي من هذا الحجم.
واعتبر المعارضون أن هذا الإجراء يعكس عمق الانقسامات حول شرعية انعقاد المؤتمر وطريقة تسييره، مؤكدين أن استخدام وسائل الإغلاق الجسدي يشير إلى وجود خلافات حادة داخل صفوف الاتحاد. كما ظهرت اتهامات قوية على منصات التواصل، تضمنت كلمات مثل "خيانة" و"الانقلاب على إرادة العمال"، في إشارة إلى ما وصفه المعارضون بمحاولة إعادة تثبيت قيادة تقليدية والسيطرة على القرارات دون مشاركة حقيقية من قواعد الاتحاد.
ويأتي كل ذلك في ظل علاقة متوترة بين الاتحاد والحكومة التونسية منذ إعلان الرئيس قيس سعيد إجراءات يوليو/تموز 2021، وسط أزمة اقتصادية واجتماعية متفاقمة، ما أفرز حالة من "المعارضة النقابية" وأسهم في استقالة الطبوبي في ديسمبر/كانون الماضي، قبل أن يتم التوافق لاحقًا على عقد مؤتمر مارس/اذار 2026.
ويظل الاتحاد العام التونسي للشغل أحد أهم الفاعلين في المشهد السياسي والاجتماعي في تونس، نظرًا لدوره التاريخي منذ القرن الماضي، سواء في مقاومة الاستعمار الفرنسي أو في مواجهة الأنظمة السياسية المتعاقبة من عهد الحبيب بورقيبة إلى حكم زين العابدين بن علي، ما يجعل أي تغييرات قيادية داخله محط أنظار الرأي العام المحلي والدولي على حد سواء.

تعليقات الزوار
لا تعليقات