أخبار عاجلة

تبون يعزز سلطاته ويُحكم قبضته على النظام

توقفت صحيفة “لوموند” الفرنسية عند اعتماد البرلمان الجزائري لمشروع التعديل التقني للدستور، الذي يزيد من صلاحيات رئيس الدولة، لا سيما في ما يتعلق بالتعيينات القضائية والانتخابات.

اعتبرت “لوموند” أنه مع أن الأمر لا يتعلق رسميًا سوى بتعديلات “تقنية”، إلا أنها في الواقع مسألة سياسية بامتياز، تهدف أساسًا إلى تعزيز سيطرة رئيس الجمهورية على البنية المؤسسية للبلاد.

وهكذا، تضيف “لوموند”، يجد الرئيس عبد المجيد تبون موقعه الشخصي أكثر رسوخًا، بعد ثمانية عشر شهرًا من إعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية، بعد أن كان قد انتُخب لولايته الأولى في ديسمبر عام 2019، في سياق تميز بضعف النظام، الذي كان في موقف دفاعي أمام الحراك الشعبي المناهض للسلطة آنذاك.

وتابعت الصحيفة الفرنسية القول إنه بعد سبع سنوات، تبدو الجزائر بوجه سياسي مختلف تمامًا، حيث ترافقت عمليات القمع ضد المعارضة مع مناورات تشريعية ودستورية لإعادة تكريس هيمنة السلطة التنفيذية. وما تزال طبيعة العلاقة بين الرئيس تبون وقيادة الجيش، التي تُعد العمود الفقري للنظام السياسي، محل تساؤل.

فبينما جرت العادة أن يكون الجيش هو المتحكم الفعلي في السلطة من وراء الكواليس، أظهر تبون في الأشهر الأخيرة رغبة في توسيع استقلاليته، مستفيدًا إلى أقصى حد من الصلاحيات التي يمنحها له الدستور، تضيف “لوموند”.

تنقل الصحيفة الفرنسية عن الخبير القانوني ماسنسن شربي، قوله إن “المراجعة الحالية تُكرّس زيادة في صلاحيات رئيس الدولة، رغم أن الدستور الجزائري هو أصلًا شديد الطابع الرئاسي”.

كما أن اعتماد مسار سريع لإقرار هذه التعديلات يعكس ثقة متزايدة لدى السلطة التنفيذية، حيث يكفي تصويت بأغلبية ثلاثة أرباع أعضاء غرفتي البرلمان بدل اللجوء إلى استفتاء شعبي، كما هو معمول به عادة في تعديل الدساتير.

آخر توازنات السلطة

تبرر السلطات هذا المسار السريع، الذي يتجاوز النقاش العام، بكون التعديلات “تقنية” وتهدف فقط إلى “ تعزيز الانسجام والفعالية في عمل المؤسسات”. وبحسب الدستور، لا يُفرض الاستفتاء إلا إذا كانت التعديلات تمس “التوازنات الأساسية للسلطات”، تشير “لوموند”.

ويخص أبرز تعديل المجلس الأعلى للقضاء، الذي يُفترض أن يضمن استقلالية القضاة. فقد كان يضم سابقًا أعضاء يتم تعيينهم من قبل رؤساء غرفتي البرلمان، إضافة إلى ممثلين عن القضاة وهيئة حقوق الإنسان. أما النص الجديد، فيقترح تقليص هذه التمثيلية لصالح تركيبة أقرب إلى السلطة التنفيذية.

الأهم من ذلك، تتابع “لوموند”، هو أن التعديل يلغي شرط الحصول على “رأي ملزم” من المجلس الأعلى للقضاء في التعيينات القضائية العليا. وبذلك يتحرر رئيس الدولة، الذي يرأس المجلس أصلًا، من آخر آلية رقابية داخل الجهاز القضائي. ويُنظر إلى هذا الإجراء على أنه تراجع كبير في استقلالية القضاء، كونه يحوّل المجلس إلى مجرد هيئة تصادق على قرارات الرئيس.

تحكم استباقي

في المجال الانتخابي، تتابع “لوموند”، تم تقليص دور السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، التي أُنشئت بعد الحراك لنزع تنظيم الانتخابات من وزارة الداخلية. فالتنظيم اللوجستي والمادي للانتخابات سيعود إلى الإدارة، بينما يقتصر دور الهيئة على الإشراف فقط، ما يثير مخاوف المعارضة من عودة تدخل الدولة في العملية الانتخابية.

كما تمنح التعديلات الرئيس سلطةَ الدعوة إلى انتخابات محلية مبكرة متى شاء، وهو ما يسمح له بحل المجالس المحلية غير الموالية أو ضبط المواعيد الانتخابية وفق أجندته.

وتشمل التعديلات أيضًا إجراءات تهدف إلى تثبيت النخبة الحاكمة، مثل تمديد ولاية رئيس مجلس الأمة من ثلاث إلى ست سنوات، وهو منصب حاسم في حال شغور منصب الرئاسة. كما تم فرض مستوى تعليمي معين للترشح للرئاسة، ما قد يحد من فرص المرشحين الشعبيين أو المستقلين.

ورأت “لوموند” أنه في ظل سياق إقليمي متوتر، تبدو هذه المراجعة بمثابة خطوة استباقية لإحكام السيطرة. فباسم تحسين أداء المؤسسات، يتجه النظام نحو تكريس رئاسة قوية جدًا تتحكم في التعيينات والانتخابات مع أقل قدر من القيود.

إخضاع المشهد السياسي

ومضت “لوموند” قائلةً إن النظام تمكّن تدريجيًا من استعادة توازنه، بعد أن هزّه الحراك الشعبي عامي 2020-2019، مستفيدًا من عائدات النفط ومن سياسة قمعية صارمة. كما اعتمد ترسانة قانونية مشددة للحد من أي معارضة.

ففي عام 2023، تم تقييد النشاط النقابي وحق الإضراب، وفي العام نفسه مُنع مزدوجو الجنسية من امتلاك وسائل إعلام. وبعد ذلك بنحو عامين عام 2025 تم السماح بسحب الجنسية منهم في حالات معينة تتعلق بالأمن أو الولاء لدول أجنبية.

وفي بداية 2026، بدأ البرلمان مناقشة مشروع قانون يفرض قيودًا أكبر على إنشاء الأحزاب السياسية. وقد بلغ التحكم في المشهد السياسي والإعلامي والجمعوي درجة جعلت بعض المعارضين يرون، بأثر رجعي، أن فترة حكم عبد العزيز بوتفليقة كانت أكثر انفتاحًا مقارنة بالمرحلة الحالية، تقول “لوموند”.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات