كان منتظرا أن تصل العلاقات الجزائرية الإماراتية إلى هذا المستوى من التدني. وممكن أن تصل بسهولة إلى حد القطيعة. فمنذ أكثر من خمس سنوات تسوء الأجواء بين البلدين ويغيب أيّ مؤشر على احتمال عودتها إلى مسارها الصحيح.
خلال السنوات الأخيرة اتهمت الجزائر، رسميا وإعلاميا، الإمارات بالعبث بأمنها الداخلي وباللعب في ملفات داخلية وإقليمية حساسة للجزائر وأمنها واستقرارها.
كان مُلاحظا أنه في مقابل شكاوى الجزائر وحملاتها الإعلامية، كانت الإمارات تتوارى وراء الصمت. امتنعت عن الإدلاء بأيّ تصريح رسمي أو ردّ حكومي، وتركت لبعض المغردين مهمة الرد على ما يصدر من المسؤولين الجزائريين، وخصوصا الرئيس عبد المجيد تبون.
وقد نجح هذا التكتيك إلى حد ما في تصوير الإمارات أكثر حكمة وصبرا في مقابل الجزائر “الكثيرة الصراخ والاحتجاج”، خصوصا وأنه قد يقاس على التوتر بين الجزائر والمغرب حيث تُصوَّر الأولى كمبادِرة للعداء والثاني كصاحب اليد الممدودة دائما.
وبالمناسبة، المغرب أيضا من أسباب التأزم بين الجزائر والإمارات.
لكن قبل أن تسوء، يجب التذكير بأن العلاقات الجزائرية الإماراتية لم تكن أبداً مثالية. كانت هادئة وطبيعية في أغلب الأوقات، لكنها لم تكن يوما طيبة فوق العادة، حتى في عهد الشيخ زايد بن سلطان والرؤساء الجزائريين الذين عاصروه. والسبب يكمن في الفرق في طبيعة الحكم في البلدين واختلاف سياساتهما الإقليمية والدولية إلى حد التناقض في بعض الأحيان.
لكن كان الهدوء في العلاقات في حد ذاته مكسبا مقارنة بالخلافات العربية الكثيرة والمعقدة، ثنائيا وجماعيا، في كل وقت.
لاحقا حاول الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة نقل العلاقات بين البلدين إلى مستوى رفيع ومنْحها صبغة استثنائية. لكن جهوده اصطدمت بإكراهات الواقع، وبحقائق منها تعطش الإمارات إلى مكاسب اقتصادية في الجزائر تتجاوز حدود المسموح به، ومرة أخرى بسبب اختلاف طبيعة النظامين وتناقض حساباتهما وطموحاتهما إقليميا ودوليا، والتحوّل الذي شهدته الإمارات وسعيها لأن تصبح قوة دولية مؤثرة تقود المنطقة العربية وفق مصالحها ومصالح القوى المتحالفة معها وأبرزها إسرائيل.
وهناك أيضا سبب لا يقل أهمية، هو أن جهود بوتفليقة لم تكن تندرج ضمن استراتيجية مدروسة وبُعد نظر سياسي ودبلوماسي. لقد كانت نوعا من ردّ الجميل لعائلة الشيخ زايد اعترافا من بوتفليقة وامتنانا على احتضانه وإكرام وفادته عندما اضطر للخروج من الجزائر غاضبا ومغضوبا عليه في 1980 عقب الإطاحة به من وزارة الخارجية وتحطيم حلمه بتولي رئاسة الدولة خلفا للراحل هواري بومدين.
يُحسب لبوتفليقة أنه، على الرغم من فشله في رفع العلاقات مع الإمارات إلى مستوى استثنائي، نجح في تحييد أبوظبي والحد من خطرها على الجزائر. هناك من يقول إن ثمن ذلك كان مزايا اقتصادية، مدنية وعسكرية، لم تكن لتُمنح للإمارات في الظروف الطبيعية.
وإذا صدقت اتهامات الجزائر للإمارات بأنها تدعم حركة انفصال القبائل (ماك)، يصبح الأمر حالة من التناقص تعزز الموقف الجزائري: لقد أوهمت الإمارات العالم بأنها تحارب التطرف الديني (الإسلامي فقط) وجماعات الإسلام السياسي كالإخوان المسلمين، لكن في الجزائر لا توجد مشكلة إخوان مسلمين، ولا توجد حالة يمكن تسميتها الإسلام السياسي. والـ”ماك” على طرف نقيض من الإسلام السياسي وحتى مع العرب وكعرق وتكتل سياسي (إنْ وُجد). فما الذي جمع القبائلي مع الإماراتي؟
كان لا بد من شكاوى السودان، ولاحقا السعودية، ليتأكد العرب والعالم رسميا مما كان عبارة عن شبهات واتهامات في منصات التواصل الاجتماعي: أدوار إماراتية مؤسفة في السودان واليمن وليبيا والمنطقة ككل.
الإمارات معزولة في المنطقة حاليا، ولولا ثروتها الطائلة لكانت عزلتها أكبر وأشد ألما. أيضا لم يعد بإمكانها أن تفنّد بسهولة كل ما يُنسب لها. ولا يمكن أن تكون كل الاتهامات الموجهة إليها تحاملا من الجميع عليها.
الآن وقد بلغ التوتر هذا الحد، وفي وضع مثالي، يصبح من الضروري أن تتدخل الجامعة العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي، إما لإزالة الخلافات وإصلاح ذات البين، أو للجم الإمارات بالطرق الدبلوماسية والتنظيمية.
لكن جامعة الدول العربية أصبحت منذ عقود جزءا من المشكلة وليس مفتاحا من مفاتيح الحل. هيئة أحمد أبو الغيط أصبحت عبئا على نفسها وعلى الكل منذ أن تخلت عن صلاحياتها وأدوارها لدول وحكومات، منها الإمارات، وفقدت شجاعة الاختلاف معها.
تحتاج الجزائر إلى إضفاء صبغة قانونية ودبلوماسية على اتهاماتها للإمارات ووضعها في المسار الرسمي المطلوب. تحدث تبون كثيرا في هذا الموضوع، والآن حان ليتوقف ويمر إلى مرحلة العمل الدبلوماسي الجاد في المحافل الدولية والإقليمية، مهما بدت بعضها مشلولة وبلا جدوى. تدوين المواقف ضروري والسجلات مفيدة حتى وهي على الرفوف.
لا أدعو إلى قطيعة بين الإمارات والجزائر ولا أتمناها بين أيّ دولتين عربيتين، خصوصا في زمن حركة الشعوب وتداخل المصالح بشكل يفوق قدرة الحكومات والدول على التحكم فيها. لكن يجوز القول إن في حالة الجزائر والإمارات، قد يكون الكي علاجا ضروريا في انتظار ما يحمله المستقبل.
لن تخسر الجزائر الكثير من القطيعة مع الإمارات، إذا استثنينا الصدى المعنوي والحرج الإقليمي. ولن تخسر الإمارات الكثير هي الأخرى. لذلك قد تكون القطيعة حلا مناسبا في هذا السياق، على أن تمسك الإمارات يدها عن الجزائر وغير الجزائر.
توفيق رباحي

تعليقات الزوار
لا تعليقات