حين غمرت مياه وادي اللوكوس مدينة القصر الكبير (شمال غرب المغرب)، لم تبتلع الشوارع فقط، بل جرفت معها إيقاع حياة كاملة وذاكرة مدينة وجدت نفسها فجأة في مواجهة المجهول. وبينما كانت السلطات تعبّئ إمكاناتها لتفادي الأسوأ، عاش السكان على إيقاع حكاية أخرى، حكاية قوة الطبيعة وهشاشة الإنسان.
وبالموازاة مع عمليات الإجلاء والإنقاذ واتخاذ الإجراءات الاستباقية لحماية الأرواح، حيث جرى إجلاء جل سكان المنطقة المنكوبة، ينبض قلب المجتمع من وسط الفيضانات، وتتوالى شهادات أبناء المدينة، أولئك الذين عاشوا وجع الرحيل الاضطراري المؤقت عن بيوتهم، تاركين خلفهم ذكرياتهم المجسدة في المنازل والمقتنيات والصور، وحتى في جدران الأزقة وأشجار الشوارع وكراسي المقاهي. تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها تشكّل في مجموعها ذاكرة جماعية يخشى كثيرون أن تندثر، أو ألا تقوى على مقاومة سطوة المياه.
الشاعر والأكاديمي عبد السلام دخان، وهو أحد الذين عايشوا الفيضانات من عين المكان، يؤكد لـ «القدس العربي» أن مدينة القصر الكبير التي يعرفها اختفت منذ أيام. فقد اجتاحت مياه وادي اللوكوس كل شيء، وحوّلت الشوارع إلى أنهار جارفة، يلفها صمت ثقيل يمتزج بالرعب.
ويضيف: «المياه ابتلعت الحياة اليومية، وأصبح هديرها الصوت الوحيد، يعلو فوق كل شيء ويكتسح ما أمامه»، مستحضرا مشاهد انقطاع التيار الكهربائي، وتوقف الماء عن الجريان في الصنابير، وإغلاق المحلات، وفراغ الأزقة من البشر، لتتحول المدينة إلى فراغ صامت، يختلط فيه الخطر بالذعر.
لكن هذه الصورة القاتمة لا تختزل كل الحكاية، فالأوضاع ليست مجرد أرقام وإحصائيات وصور، رغم أهميتها، بل هي بالأساس قصص إنسانية موجعة. تلك اللوحة يرسمها عبد السلام دخان حين يقول إن «السلطات تحركت بسرعة، ونفذت عمليات إجلاء واسعة، وركّزت على توفير مخيمات الإيواء والرعاية الصحية والتغذية للفئات الأكثر هشاشة. كما انتشرت فرق الدفاع المدني والشرطة والدرك وقوات الجيش لتأمين المدنيين، في الوقت الذي واصلت فيه المصالح التقنية مراقبة منسوب المياه بقلق شديد. ومع كل قطرة مطر جديدة، كان الخطر يرتفع، وأصبحت المدينة غير آمنة، والكل تحت رحمة الله».
ويزداد هذا الإحساس كثافة حين يتحول الكلام إلى تجربة شخصية مباشرة. يقول دخان: «كنت هناك، في قلب الأحياء المغمورة، قبل أن أغادر مع والدتي وأسرتي. غصت المياه في الشوارع، ووصلت إلى مستوى الخصر، دفعتنا بقوة، وحملت معها آثار حياتنا اليومية. تركنا بيتنا خلفنا وهو يغرق، وكانت نظرات الجيران تحمل الذهول والرعب والعجز. هدير المياه كان أعلى من أنفاسنا، شاهدا على قوة الطبيعة التي لم نحسب لها حسابا. كل أسرة هنا تحمل قصة خسارتها الخاصة، والجميع أجبر على الفرار، تاركا ذكرياته وحياته تحت الماء. المدينة الآن فارغة منذ أيام، تنتظر انحسار المياه لتكشف عن جراحها، بينما الواقع صارم وقاس، يفوق كل توقع».
ويختم دخان حديثه لـ «القدس العربي» قائلا: «نلتمس الأمان حيثما أمكن، ونضع ثقتنا في الله، ونعتمد على الدعاء والصبر. كل تركيزنا منصب على النجاة وحماية الأرواح، مع إدراك أن العودة إلى المدينة ممكنة فقط حين ينجلي الخطر تماما، وأن الأيام القادمة ستظل اختبارا للقيم الإنسانية، قيم التضامن والتآزر، لتجاوز هذه المحنة».
في هذا السياق، لا يبدو الرحيل مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل إنه انتزاع عاطفي قاسٍ، فالبيت الذي يغادره أهله ليس مجرد جدران، وإنما سيرة حياة كاملة، أثاث وصور وطقوس يومية وذكريات عائلية ستبقى معلقة تحت رحمة المياه والمجهول. عائلات تحمل ما تيسر من متاع في حقائب صغيرة، وتتساءل بقلق: متى سنعود؟ كيف سنجد بيوتنا؟ وهل ستصمد الجدران أمام سطوة الماء؟
وفي مقابل هذا الخفقان المؤلم، ينبثق نبض دافئ من عمق المجتمع، وتنتصب «التمغربيت» بقيم التضامن التي جبل عليها المغاربة. هنا يلتقي الوجع الفردي بالصورة الجماعية الأوسع.
ويشير الروائي والباحث أنس الفيلالي، في حديثه لـ «القدس العربي»، إلى أن الدولة المغربية أظهرت، في مواجهة الفيضانات، جاهزية عالية عبر تعبئة شاملة لإمكاناتها المدنية والعسكرية. فقد جرى إجلاء أكثر من مئة ألف مواطن، وإخلاء مناطق كاملة في زمن قياسي، وإنشاء مراكز إيواء كبرى في أقل من أربع وعشرين ساعة، إلى جانب تسخير مصحات طبية ومطاعم ومخابز متنقلة، وعتاد إنقاذ متطور شمل المروحيات والقوارب والمدرعات والدراجات المائية، في تدخل يعكس تحمّل الدولة لمسؤوليتها في حماية الأرواح.
ويوضح الفيلالي أنه «بموازاة هذا الجهد الرسمي، برز التضامن الشعبي كأحد أقوى صور هذه المحنة. فقد أثبت المغاربة، من مختلف المدن، أن روح التكافل ما زالت حية ومتجذرة، خصوصا من طرف أبناء القصر الكبير داخل المدينة وخارجها. تجند شباب ومتطوعون بشكل تلقائي، وفتحوا بيوتهم، ووفروا شققا سكنية بالمجان لفائدة الأسر النازحة في مدن مثل مارتيل والعرائش وأصيلة وطنجة (مدن شمال البلاد)، دون مقابل أو شروط، فقط بدافع الواجب الإنساني».
ولم يقتصر هذا التضامن على السكن فقط، يقول الفيلالي، «بل شمل التكفل الصحي، ونقل المرضى، وتوفير الأدوية، إلى جانب جمع وتوزيع المواد الغذائية والأغطية والملابس، ومرافقة الأسر المتضررة في أدق تفاصيلها اليومية. كما لعبت شبكات التواصل الاجتماعي دورا محوريا في التنسيق، حيث تحولت إلى منصات للتطوع، وتقاسم المعلومة، وربط المحتاجين بمن يستطيع المساعدة».
ويضيف الروائي والباحث أن «من بين الصور الإنسانية اللافتة التي رافقت هذه الجهود، الاهتمام بالحيوانات الأليفة، حيث جرى إنقاذ عدد كبير من القطط التي وجدت نفسها هي الأخرى ضحية للفيضانات، في مشهد يكشف عن عمق الرأفة والرحمة تجاه الكائنات الأضعف، ويعكس وجها آخر من إنسانية المجتمع في أوقات الشدة».
ويشدد المتحدث على أن «هذا التضامن الشعبي لم يكن استعراضا عابرا، بل هو تعبير صادق عن مجتمع يرفض أن يترك أبناءه وحدهم في لحظة الشدة، ويؤكد أن قوة المغرب لا تتجلى فقط في مؤسساته، بل أيضا في إنسانه حين يُمتحن».
شهادات مؤثرة عن فيضانات «القصر الكبير» في المغرب

تعليقات الزوار
لا تعليقات