قالت مجلة “ليكسبرس” الفرنسية إن السلطات الجزائرية أطلقت مبادرة مثيرة للجدل تقوم على إسقاط الملاحقات القضائية بحق بعض المعارضين المقيمين في الخارج، مقابل تعهدهم بعدم تكرار ما تعتبره الدولة “أنشطة تخريبية”، في خطوة وصفتها المجلة بأنها مقايضة بين العودة إلى الوطن والتخلي عن حرية التعبير.
وأضافت المجلة أن أحمد سقلاب، الذي عاش 12 عامًا في المنفى ببريطانيا، كان من بين أوائل المستفيدين من هذا الإجراء. وظهر الرجل في مطار لندن في يناير الماضي حاملاً جواز سفره الجزائري وتذكرة العودة، معبّرا عن فرحته بالرجوع إلى بلاده بعد سنوات من الهروب من أحكام قضائية صدرت بحقه بسبب انتقاداته الحادة للسلطات. وتعكس حالته مسار عدد من المعارضين الذين غادروا الجزائر منذ سنوات دون أن يتوقعوا إمكانية العودة يومًا.
بيان الرئاسة الجزائرية الذي أعلن الإجراء جاء بصياغة غامضة، حيث تحدث عن شباب في “وضعية هشّة” جرى “تضليلهم عمدًا” من أطراف سعت للإضرار بصورة الدولة في الخارج، دون توضيح ما إذا كان المقصود مهاجرين غير نظاميين أم ناشطين سياسيين فرّوا من التضييق، توضح “ليكسبرس”.
الشرط الأساسي للاستفادة من العفو هو توقيع “تعهد بعدم العودة” إلى السياسات المناوئة للنظام، ما يعني عمليًا التوقف عن أي نشاط معارض، حتى لو كان ذلك على حساب حرية الرأي، تتابع المجلة الفرنسية.
وقد باشرت القنصليات والأجهزة الأمنية سريعًا بالتواصل مع شخصيات معارضة معروفة، خصوصًا المؤثرين المنتقدين للنظام. واستعاد سقلاب جواز سفره بعد سنوات من مصادرته، وعاد إلى الجزائر حيث توقف تقريبًا عن نشر أي محتوى سياسي، مكتفيًا بمقاطع قصيرة تعبّر عن سعادته بلمّ شمل أسرته، من دون توجيه انتقادات للرئيس عبد المجيد تبون.
واعتبرت المجلة أن هذه السياسة ليست جديدة كليًا، مذكّرة بقانون غير منشور صدر عام 2022 سمح بعودة بعض ناشطي حركة تقرير مصير القبائل، المصنفة إرهابية في الجزائر، مقابل تخليهم عن أي نشاط. ومنهم شخصيات بارزة مثل حسان زياني، الذي أصبح قادرًا على التنقل بين كندا والجزائر بعد سنوات من المنفى.
وتساءلت “ليكسبرس”: هل هو عفو حقيقي أم تهديد مبطن بالاعتقال؟ وأضافت أن عددًا من الصحافيين والناشطين رفضوا العرض بشكل واضح. وذكرت مثال الصحافي عبدو سمار، المحكوم عليه بالإعدام غيابيًا بعد كشفه قضية فساد مفترضة في شركة سوناطراك، والذي أعلن أنه لن يعود إلا مع ضمان كامل لحرية التعبير.
كما أشارت إلى مواقف مشابهة لناشطين آخرين، من بينهم أميرة بوراوي وزكريا حناش، الذين أكدوا رغبتهم في العودة إلى الوطن لكن من دون التنازل عن حريتهم. ورأت المجلة أن انعدام الثقة بين جزء من الجالية الجزائرية والسلطات يزداد، خاصة مع استمرار توقيف بعض المهاجرين فور وصولهم إلى البلاد، بل وإدانة بعضهم بتهم تتعلق بـ“تمجيد الإرهاب”.
وأضافت أن محامين مدافعين عن سجناء الرأي انتقدوا ما وصفوه بانتقائية العفو، معتبرين أنه يميز بين المواطنين على أساس قبولهم الصمت. وأشارت كذلك إلى أن كثيرًا من الشباب الذين غادروا لأسباب اقتصادية لا يبدون حماسًا للعودة، إذ يرون أن ظروف العيش في أوروبا أفضل، حتى بعد رحلات هجرة خطيرة عبر البحر.
مبادرة العفو، رغم تقديمها كخطوة إنسانية، تكشف عن معادلة سياسية معقدة: استعادة المعارضين ممكنة، لكن بثمن واضح، هو التخلي عن الصوت المعارض

تعليقات الزوار
لا تعليقات