قالت مجلة “لوبوان” الفرنسية إن تطورين تشريعيين مرا تقريبا دون أن يلحظهما أحد، رغم أهميتهما المباشرة في ملف الذاكرة العالق بين الجزائر وباريس: الأول يتعلق باستعادة ممتلكات تاريخية، والثاني بمسألة التجارب النووية في الصحراء.
وفي وقت كان فيه المشهد الثنائي منشغلا بزيارة الوزيرة الاشتراكية السابقة سيغولين روايال إلى الجزائر، عدل مجلس الشيوخ الفرنسي، يوم الأربعاء الـ28 يناير، مشروع قانون يتعلق بإعادة الممتلكات الثقافية القادمة من دول “حرمت منها نتيجة استحواذ غير مشروع”. وقد أحيل النص المعدل إلى الجمعية الوطنية بانتظار اعتماده المحتمل.
وأوضحت “لوبوان” أن عمليات إعادة الممتلكات الثقافية التابعة للملك العام إلى دول أجنبية كانت تستوجب سابقا إصدار قوانين خاصة بكل حالة على حدة، كما حدث مثلا في يوليو عام 2020 عندما أعادت فرنسا إلى الجزائر جماجم ورفات مقاومين جزائريين من أواخر القرن التاسع عشر كانت محفوظة في متحف الإنسان بباريس.
يهدف مشروع القانون إلى إنشاء إطار قانوني عام لإعادة الممتلكات الثقافية الفرنسية التي تعرضت لاستحواذ غير مشروع (نهب، وسرقة أو بيع بالإكراه). واعتبر المؤرخ بنجامان ستورا، في تصريح للمجلة، أن “عتبة مهمة قد تم تجاوزها”، مشيدا بالمؤرخ سيلفان أميك، الرئيس السابق لمتحفي أورسيه والأورانجري، الذي “حمل هذا المشروع حتى وفاته في سبتمبر الماضي”.
وتابعت “لوبوان” قائلة إن الإشكالية القانونية كانت في صلب قضية إعادة الممتلكات التاريخية بين الجزائر وباريس. ففي نهاية عام 2022، كان وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف قد تحدث عن احتمال زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى باريس، معربا عن أسفه لبطء التقدم في بعض الملفات من وجهة نظر الجزائر.
وصرح حينها: “هناك موضوع حساس -زيارة قصر أمبواز حيث سجن الأمير عبد القادر وعائلته- وهو جزء من برنامج الزيارة. لقد طلبنا من فرنسا إعادة سيف وبرنوس الأمير عبد القادر. وتم رفض ذلك. قيل لنا إن الأمر يحتاج إلى قانون… هذا موضوع رمزي جدا، والأمير جزء من تراثنا”.
وأشارت المجلة إلى أن الجزائر كانت قد سلمت في مايو 2024 قائمة بممتلكات تاريخية ترغب في استعادتها، بعد اجتماع اللجنة المشتركة للمؤرخين في الجزائر. ضمن هذه القائمة مقتنيات الأمير عبد القادر. غير أن المشكلة تكمن في أن جزءا من هذه القطع محفوظ في متحف “كونديه” في إقليم “شانتيه” الفرنسي.
وأوضحت “لوبوان” أن هذه الممتلكات تعود إلى دوق أومالي، هنري دورليان، الذي جمع مجموعاته التاريخية، بما فيها مقتنيات الأمير التي استولى عليها بعد سقوط “الزمالة”، وقد أوصى بها عام 1886 لمعهد فرنسا، لتصبح لاحقا متحف “كونديه”.
وتعد شروط هذه الوصية صارمة للغاية، حيث تجعل مقتنيات الأمير “غير قابلة للتصرف”، بحسب ما أوضح ماتيو ديلديك، المدير العام لمتحف “كونديه”. فالمجموعات لا يمكن أن تغادر الموقع ولا حتى أن يتغير مكانها داخل المتحف، مما يجعل وضعها القانوني محصنا.
وصرح ديلديك قائلا: “لم نتلق أي طلب رسمي من الدولة الجزائرية لإعادة هذه المقتنيات. لكن وفق شروط تبرع دوق أومال، نحرص على حفظ هذه القطع ونقلها للزوار وللمجتمع العلمي الدولي. والمخطوطات تخضع حاليا لحملة ترميم واسعة وسيتم إتاحتها رقميا للجميع”.
وأشارت المجلة الفرنسية إلى أن القانون الجديد قد يشمل مقتنيات أخرى للأمير محفوظة في متاحف عامة فرنسية. أما النص التشريعي الثاني، فقد ذكرت المجلة أنه تم اعتماده في الـ29 يناير من قبل الجمعية الوطنية، ويهدف إلى “الاعتراف بضحايا التعرض للتفجيرات النووية الفرنسية وتحسين تعويضهم”.
ورأت “لوبوان” أن هذا المشروع يمثل “تقدما مهما”، وفق تصريح جان-ماري كولان، مدير منظمة ICAN فرنسا.
وينتظر النص عرضه على مجلس الشيوخ، ويتضمن مادة تنص على إعداد تقرير حكومي خلال ستة أشهر حول سياسة التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر، يشمل مراجع تاريخية وعلمية وخريطة للأرشيفات المعروفة.
واعتبر جان-ماري كولان، مدير منظمة ICAN فرنسا، أن الإبقاء على هذه المادة “سيمثل تقدما كبيرا بشأن التفجيرات الـ17 التي أجرتها فرنسا في جنوب الصحراء الجزائرية”.
وأكدت “لوبوان” أن هذا الملف ما يزال غائبا إلى حد كبير عن أولويات الدبلوماسية الفرنسية، مشيرة إلى عدم الرد على رسالة أرسلها في سبتمبر عام 2024 مقرر أممي خاص بشأن حقوق الإنسان والنفايات الخطرة.
وقالت المجلة إن فرنسا أبدت خلال السنوات الأخيرة قدرا من الشفافية بشأن تجاربها النووية في بولينيزيا، لكنها لم تفعل الشيء نفسه فيما يتعلق بالجزائر، حيث ما تزال وثائق كثيرة خاضعة للسرية الدفاعية. كما أن نتائج قانون “موران” بقيت محدودة للغاية، إذ لم يتم الاعتراف سوى بضحيتين جزائريتين حتى الآن.
وتساءلت “لوبوان” في الأخير عما إذا كانت هذه النصوص ستعتمد في ظل الأزمة العميقة بين الجزائر وباريس، مشيرة إلى قول مصدر في باريس إنه “يجب ترك المسار التشريعي يأخذ وقته دون ضجيج سياسي”، مضيفا أن العامل الحاسم يبقى “مدى تدهور أو تحسن العلاقات الثنائية”.

تعليقات الزوار
لا تعليقات