أخبار عاجلة

رئيس النيجر يغادر الجزائر بسلة مشاريع على الورق

أعادت الجزائر والنيجر ترتيب علاقاتهما الثنائية بعد فترة توتر وجس للنبض أعقبت الإطاحة بالرئيس محمد بازوم سنة 2023 ودخول نيامي في تحالفات جديدة على حساب علاقتها مع الجزائر. ومع الزيارة التي قام بها رئيس النيجر للجزائر، عبد الرحمن تياني، تم الاتفاق على خارطة طريق لبعث أهم المشاريع المشتركة والتي يبرز على رأسها أنبوب الغاز العابر للصحراء.

بعد زيارة دامت يومين قوبلت باحتفاء كبير في الجزائر، أنهى رئيس جمهورية النيجر، الفريق عبد الرحمن تياني، زيارته للبلاد، والتي أكد الإعلام الجزائري على نجاحها، كونها عبّدت الطريق من جديد نحو علاقات قائمة على المصلحة المشتركة ولغة الاقتصاد والتعاون الأمني في منطقة الساحل.

وفي تصريح إعلامي مشترك عقب المحادثات التي جمعتهما بمقر الرئاسة الجزائرية، عبّر الرئيس عبد المجيد تبون، عن سروره باستقبال الفريق عبد الرحمن تياني، معتبرا أن “هذه الزيارة تنهي مرحلة كانت غير طبيعية اتسمت بالبرودة بين البلدين، رغم أن الشعبين الشقيقين استمرا في التواصل مع بعضهما البعض”.

وأكد الرئيس الجزائري أن الزيارة “رفعت سقف الأخوة والصداقة بيننا كجيران، إخوة وأصدقاء”، مشيرا إلى أنه تم الاتفاق على “كل ما كان يدور بيننا من تعاون أمني وطاقوي يشمل المحروقات والكهرباء، فضلا عن التعاون في مجال التكوين المهني والتكوين العسكري والتكوين الجامعي”. وأضاف: “سنصون المودة التي تجمعنا مع النيجر منذ أجيال”، معتبرا أن العلاقة بين البلدين ستكون نموذجا في إفريقيا.

وفي إعلان مهم، ذكر الرئيس الجزائري أنه “تم الاتفاق على الانطلاق في مشروع إنجاز أنبوب الغاز العابر للصحراء عبر التراب النيجري مباشرة بعد شهر رمضان”، موضحا أن “شركة سوناطراك ستأخذ بزمام الأمور وستشرع في وضع الأنبوب الذي يمر عبر النيجر”. كما أعرب عن أمله في أن تجتمع اللجنة المشتركة الجزائرية-النيجرية بعد شهر رمضان لتعزيز ما تم الاتفاق عليه وتنفيذه ميدانيا.

ويهدف مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء إلى نقل الغاز من حقول الغاز في نيجيريا شمالاً عبر أراضي النيجر إلى الجزائر، حيث يتصل بشبكات التصدير الجزائرية لبيعه في الأسواق الأوروبية والدولية الأخرى. يمتد الأنبوب لأكثر من 4 آلاف كيلومتر بطاقة نقل تصل إلى نحو 20-30 مليار متر مكعب سنوياً، ويعد مبادرة استراتيجية لتعزيز التعاون الطاقوي بين الدول الثلاث وتأمين إمدادات الغاز للأسواق الخارجية.

وفي مجال مكافحة الإرهاب، شدد الرئيس تبون على أن البلدين “في خندق واحد”، مضيفا: “سنتعاون من خلال بذل أقصى الجهود وبالاعتماد على كافة الإمكانيات والخبرة التي تتوفر عليها الجزائر”. وأكد أن “أمن النيجر من أمن الجزائر”، مخاطبا نظيره: “كن متيقنا بأننا سنكون دوما في نفس الصف مع إخواننا النيجريين وفي كل الظروف”. كما تطرق الرئيس الجزائري إلى مشاريع مشتركة في عدة قطاعات، منها الصحة، حيث أشار إلى إنشاء مصحة لتصفية الكلى، إضافة إلى دار للصحافة بالعاصمة نيامي، مؤكدا أن الجزائر “لن تبخل على دولة النيجر بأي شيء يوجد بين يديها”.

من جهته، أشاد رئيس النيجر بما وصفه “تضامن” الجزائر عقب أحداث 26 تموز/يوليو 2023، رغم “المحاولات اليائسة لبعض القوى ذات النزعات الاستعمارية الجديدة وبعض المنظمات الدولية والإقليمية المسيرة والموجهة”، وذلك في إشارة إلى رفض الجزائر أي تدخل أجنبي في النيجر بعد الانقلاب الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم. واعتبر أن زيارته تعكس اهتمام بلاده بـ“تعزيز أواصر الأخوة والتعاون الثنائي” بين الشعبين والحكومتين.

وفي البيان المشترك الذي توج المحادثات، تمّ التأكيد على أن هذه الأخيرة ترمز إلى الإرادة المشتركة لقائدي البلدين في “تجاوز الصعوبات الظرفية للحفاظ على نموذجية علاقاتهما ومواجهة التحديات الإقليمية معا”. وجدد الرئيسان تمسكهما بالمبادئ التأسيسية للعلاقات الثنائية، والمتمثلة في “احترام سيادة كل دولة وسلامتها الترابية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتضامن الفعال إزاء التهديدات المشتركة”، مع تأكيدهما أن “مستقبل الساحل ستبنيه بلدان المنطقة بأنفسها، من خلال حلول محلية وشاملة”.

وشدد الجانبان على أن الموروث التاريخي المشترك ووحدة المصير إزاء التحديات الإقليمية عوامل تجمع دول الساحل والصحراء، وجددا رفض أي تدخل أجنبي في شؤون القارة. وأعربا عن انشغالهما إزاء استمرار التهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة العابرة للحدود، مؤكدين أن أمن أحد البلدين لا ينفصل عن أمن الآخر، واتفقا على إعادة تفعيل الآليات الجزائرية-النيجرية المعنية فورا لتكثيف التنسيق في مراقبة الحدود وتنسيق استراتيجيات مكافحة الإرهاب والآفات المرتبطة به.

وقرر الرئيسان الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية على أعلى مستوى، وعقد اجتماع اللجنة العليا المشتركة في نيامي قبل نهاية النصف الأول من عام 2026، وتنظيم مشاورات سياسية وقطاعية منتظمة. كما اتفقا على الإسراع في استكمال واعتماد الاتفاقيات قيد الدراسة في مجالات البحث الجيولوجي والمعدني، المؤسسات المصغرة والمقاولاتية، الشركات الناشئة، البريد والاتصالات، الرقمنة، الثقافة، الشباب والرياضة، والتكوين بجميع جوانبه.

كما اتفقا على تسريع استكمال مشروع الطريق العابر للصحراء والمشاريع الهيكلية الأخرى، خاصة مشروع الربط عبر الألياف البصرية العابرة للحدود ومشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، وتطوير التعاون الطاقوي في مجالات المحروقات والطاقات المتجددة، مع اهتمام خاص بكهربة المناطق الحدودية الريفية. والتزما كذلك بتسهيل التبادل التجاري من خلال تبسيط الإجراءات الجمركية والإدارية وإنشاء أسواق حدودية منظمة، وتشجيع مشاريع التعاون في قطاعات الزراعة والصحة والخدمات، وإطلاق دراسة مشتركة حول إمكانية إنشاء منطقة تعاون حدودية متكاملة، مع إيلاء أهمية خاصة لإنجاز الممر التجاري لتعزيز التبادل بين البلدين.

وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، عبر قائدا البلدين عن تطابق وجهات النظر حول القضايا الكبرى، وأكدا على الحل السياسي الأفريقي للأزمات الإقليمية، وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية الإقليمية، وإصلاح النظام المالي الدولي لضمان وصول عادل للدول الأفريقية إلى التمويلات المناخية والتنموية، وأكدا دعمهما للمبادرات الرامية إلى تعزيز الاستقرار والازدهار في منطقة الساحل. وفي السياق، وجّه رئيس النيجر دعوة إلى رئيس الجمهورية لزيارة النيجر، على أن يحدد تاريخها عبر القنوات الدبلوماسية.

ومنذ الانقلاب الذي شهدته النيجر في يوليو/تموز 2023، عرفت العلاقات الجزائرية النيجرية عدة هزات، كان أبرزها الموقف المتقلب لحكومة النيجر إزاء مبادرة المصالحة التي طرحتها الجزائر وحشدت لها دوليا. ففي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أثار البيان الرسمي الجزائري عن قبول النيجر بالوساطة الجزائرية لحل الأزمة سياسيا في هذا البلد، رد فعل سريع من سلطات نيامي التي قالت إنها ترفض تأويلات صاحبت هذا الإعلان تتعلق بمدة الفترة الانتقالية المطروحة في المبادرة الجزائرية. وأعقب ذلك، تصريحات من مسؤولين في النيجر تهاجم بشدة الجزائر وتتهمها بالتدخل في شؤونها الداخلية.

وبرزت بشكل أكبر مظاهر الأزمة، بعد عمليات ترحيل قامت بها الجزائر للمهاجرين غير النظاميين لدولة النيجر، ما دفع سلطات نيامي لاستدعاء السفير الجزائري من أجل الاحتجاج. وفي أفريل 2025، عرف التوتر أوجّه بعد إسقاط الجزائر لطائرة مسيرة تابعة لمالي اخترقت الأجواء الجزائرية، وهو ما حدا بالنيجر وبوركينافاسو للتضامن مع مالي وسحب سفرائها من العاصمة الجزائرية، وهو الإجراء الذي ردّت عليه الجزائر بالمثل.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات