أخبار عاجلة

رئيس مجلس الأمة الجزائري يرفض التعويض عن الاستعمار الفرنسي مقابل الاعتراف

بعد الخلاف الذي وقع على مسألتي الاعتذار والتعويض في قانون تجريم الاستعمار، عقدت غرفتا البرلمان الجزائري أولى اجتماعاتها عبر آلية اللجنة المتساوية الأعضاء، للاتفاق على الصيغ المناسبة لنحو 13 مادة، وهي العملية التي ينتظر أن تستغرق عدة أيام للوصول إلى التوافقات المناسبة.

ووفق بيان لمجلس الأمة الجزائري، فقد عقدت اللجنة متساوية الأعضاء لغرفتي البرلمان، بمقره، اجتماعها الأول لاقتراح صيغة توافقية بشأن الأحكام محل الخلاف حول نص القانون المتعلق بتجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر.

وجرى الاجتماع جرى تحت إشراف رئيس مجلس الأمة، عزوز ناصري، تطبيقا لأحكام المادة 145 (الفقرة 5) من الدستور، واستجابة لطلب الوزير الأول الرامي إلى تفعيل آلية اللجنة متساوية الأعضاء، قصد اقتراح صيغة توافقية للنص المتعلق بتجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، محل الخلاف بين غرفتي البرلمان.

وفي كلمة له بالمناسبة، اعتبر ناصري الذي يعد بروتوكوليا الرجل الثاني في الدولة، أن مباشرة اللجنة لمهامها هو “محطة مفصلية في مسار معالجة هذا النص ذي البعد التاريخي والسيادي”، مبرزا ضرورة “الارتقاء به إلى مستوى تشريع مرجعي محكم، يستند إلى أسس قانونية رصينة ويعكس ثوابت الدولة الجزائرية”.

وأحاط ناصري اللجنة بالإطار العام الذي تريده الدولة من خلال هذا القانون، مشيرا إلى ما قال إنه “الموقف المبدئي والثابت للدولة الجزائرية، الذي عبر عنه رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، في أكثر من مناسبة، لاسيما فيما يتصل بمسألة التعويض”.

وتابع يقول إن “الجزائر التي قدمت ملايين الشهداء في سبيل حريتها واستقلالها لا تقايض ذاكرتها ولا سيادتها بأي مقابل مادي، وإنما تتمسك بالاعتراف”.

ويرى ناصري ضرورة صياغة “قانون مرجعي ونموذجي، يتجاوز الإطار الوطني ليشكل سابقة تشريعية رائدة على المستوى الإفريقي، ويكرس مقاربة قانونية واضحة في التعاطي مع جرائم الاستعمار”.

وفي بداية أشغال اللجنة، تم انتخاب مكتبها الذي ضمّ كلا من نور الحاج عن مجلس الأمة، رئيسا للجنة، بغيجة سعد، عن المجلس الشعبي الوطني، نائبا للرئيس، بالإضافة إلى بوسدارية فيصل، عن مجلس الأمة، ومحمد فوزي بن جاب الله، عن المجلس الشعبي الوطني، مقررين لها.

وفي حديثه، أكد رئيس اللجنة أن مباشرة اللجنة لأشغالها هو “تجسيد فعلي للآليات الدستورية الرامية إلى تعزيز التوافق وضمان جودة التشريع وتماسكه”، لافتا إلى أن المهمة الموكلة إليها “ليست إجراء شكليا، بل مسؤولية مؤسساتية تقتضي بلورة صيغة توافقية تعكس إرادة الغرفتين وتحفظ الانسجام الذي أقره الدستور”.

ويأتي اللجوء إلى هذه الآلية الدستورية، عقب تصويت مجلس الأمة الجزائري لصالح إعادة النظر في مسألتي الاعتذار والتعويض الواردتين في قانون تجريم الاستعمار الفرنسي مع تثبيت مطلب الاعتراف، خلال جلسة المصادقة على القانون في 22 كانون الثاني/جانفي الماضي.

ويعود سبب تحفظ مجلس الأمة، وفق تقرير لجنة الدفاع الوطني بالمجلس، إلى كون مسألتي التعويض والاعتذارلا تنسجمان، في صيغتهما الحالية، مع توجه الدولة. وأحالت هنا إلى الموقف الذي عبّر عنه الرئيس عبد المجيد تبون، والقائم على المطالبة بالاعتراف بالجريمة الاستعمارية في إطار سياسي سيادي واضح، ومع الإطار التشريعي المنظم لهذا التوجه.

وشدّدت اللجنة على تثبيت مطلب الاعتراف بالجرائم الاستعمارية الذي لا يعد حسبها، منّة أو تفضلا، بل هو التزام قانوني وأخلاقي وحقوقي، وحق ثابت للشهداء، ولذويهم من الأرامل والأيتام، وللمجاهدين الأحياء، ولكل ضحايا النفي والتهجير والتجريد من الحقوق.

واعتبرت أن هذا الاعتراف يمثل التعبير الأسمى عن العدالة التاريخية والإنصاف وجبر الضرر، لا سيما في بعده المعنوي والرمزي، الذي يظل أعمق أثرا وأبقى قيمة من أي تعويض مادي، وأكثر ارتباطا بحفظ الكرامة الوطنية والذاكرة الجماعية.

وبذلك، شملت التحفظات وفق التقرير كل من المادة 1 و5، و7، و9، و10، و15، و16، و17، و18، و20، إضافة إلى المواد 25 و26. ودعت اللجنة إلى مراجعتها بما يحقق الانسجام الكامل بين الأهداف المعلنة للنص ومحتواه القانوني، ويعزز موقعه كتشريع سيادي يعالج ملف الذاكرة الوطنية ضمن منطق الدولة والقانون.

وكان النص الذي نزل من الغرفة الأولى للبرلمان يشير في مادته التاسعة إلى أن “الدولة الجزائرية تسعى بكل الوسائل و الآليات القانونية والقضائية، في اطار يضمن الاعتراف والاعتذار الرسميين من طرف دولة فرنسا عن ماضيها الاستعماري”.

أما المادة 10، فتنص على ما يلي: “يعتبر التعويض الشامل و المنصف ، عن كافة الاضرار المادية والمعنوية التي خلفها الاستعمار الفرنسي، حقا ثابتا للدولة والشعب الجزائري”.

وعدا ذلك، يتضمن في مادته الأولى الإطار المبدئي للقانون، من خلال التأكيد على أن الجزائر، استنادا إلى تضحيات شعبها وتمسكه بوحدته الوطنية وهويته الثقافية، تناهض الاستعمار بكل أشكاله وتدين ممارساته، وتلتزم بدعم الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى تصفيته.

أما المادة 3 فتمنح توصيفا قانونيا صريحا للاستعمار الفرنسي باعتباره “جريمة دولة”، وهو توصيف يحمل أبعادا قانونية وسياسية، لأنه يربط الانتهاكات بمسؤولية كيان سيادي، لا بأفعال معزولة. وتنسجم هذه المادة مع المادة 4 التي تلزم الدولة الجزائرية بالعمل على كشف الحقائق التاريخية المرتبطة بالاستعمار ونشرها، في تأكيد على مركزية الذاكرة والتوثيق في مقاربة هذا الملف.

ويُعد الفصل الخاص بجرائم الاستعمار من أكثر فصول المشروع تفصيلا، حيث تسرد المادة 5 قائمة واسعة من الأفعال التي تُصنّف كجرائم، بدءا من القتل العمد والهجمات العسكرية ضد المدنيين، وصولا إلى الاستخدام المفرط للقوة والأسلحة المحرمة دوليا، بما فيها زرع الألغام والتجارب النووية.

ولا تقتصر المادة نفسها على الجرائم العسكرية، بل تمتد إلى الجرائم الاقتصادية والاجتماعية، مثل السطو على خزينة الدولة، والنهب الممنهج للثروات، ومصادرة الممتلكات، وفرض القوانين الاستثنائية على الجزائريين دون غيرهم. كما تسجل انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من تعذيب جسدي ونفسي، وتمييز عنصري، وحرمان متعمد من الحقوق الأساسية، والنفي والترحيل القسري، والاختطاف والإخفاء القسري، والاحتجاز خارج الأطر القانونية.

وتولي المادة 5 اهتماما خاصا بالانتهاكات الثقافية والدينية، من خلال تجريم تدنيس دور العبادة، والتنصير القسري، ومحاولات طمس الهوية الوطنية، إضافة إلى الاعتداء على حرمة الموتى والتنكيل برفاتهم. وتُضاف إلى ذلك ممارسات مثل التجنيد الإجباري، وإنشاء محاكم خاصة دون ضمانات، واستخدام المدنيين كدروع بشرية.

وتأتي المادة 6 لتؤكد مبدأ عدم التقادم، حيث تنص صراحة على أن جرائم الاستعمار لا تسقط بالتقادم، بغض النظر عن صفة مرتكبيها أو أدوارهم، سواء كانوا فاعلين أصليين أو شركاء أو محرضين أو منفذين لأوامر صادرة عن سلطات استعمارية. وتكمل المادة 7 هذا التوجه بتجريم كل صور التعاون مع السلطات الاستعمارية، واعتبارها خيانة عظمى، في سياق يربط بين الذاكرة الوطنية والمساءلة القانونية.

وتفصّل المادة 11 مطالب محددة، من بينها تنظيف مواقع التفجيرات النووية، وتسليم خرائطها وخرائط الألغام، وتعويض الضحايا وذوي حقوقهم. وتُكمل المواد 12 و13 و14 هذا المسار، من خلال النص على استرجاع الأموال المنهوبة، والقيم المادية والمعنوية، والأرشيف الوطني، إضافة إلى رفات رموز المقاومة والحركة الوطنية والثورة التحريرية.

 

 

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات