أخبار عاجلة

من هم المشاهير في الجزائر؟

قد يقول أحدهم إنّهم لاعبو الكرة، وآخر يقول إنهم الشباب المؤثّرون على منصات التّواصل الاجتماعي، أو إنهم رجال أعمال، وقد نسمع من يقول إنهم الممثلون في السينما أو في مسلسلات رمضان، أو إنّهم رجال الدّين والفتاوى، وهناك من يقترح أنّهم المغنّون. لكنّ الإجابات السالفة – وإن تداولها البعض – فإنّها تغضّ الطرف عن شريحة جديدة من المشاهير، سطعت في السنين الأخيرة الماضية، ملأت الأسماع والأبصار، بل إنّها شريحة تغلغلت في حياة النّاس، باتوا يتحدّثون عنها أكثر من حديثهم عن ارتفاع في أسعار أو انقطاع في الماء، يخوضون فيها أكثر من خوضهم في مشاغلهم اليومية، إنّها شريحة سطعت في غمرة الأحداث من غير أن ننتبه إليها، ونقصد منها شريحة المحللين الرّياضيين.
هذه الفئة التي كانت مجهولة، قبل سنوات، في زمن لم يكن يوجد فيه في الجزائر سوى تلفزيون عمومي واحد، لكن منذ طفرة السمعي – البصري في البلد، ومع الانفجار الذي حصل عقب ظهور عدد معتبر من القنوات التلفزيونية، بعض منها كانت جرائد تحوّلت، بين عشية وضحاها، إلى قناة وتحوّل صحافيوها من الكتابة على الورق إلى الظهور أمام الكاميرا بربطات عنق، منذ ذلك الحين أطلّ المحلّل الرّياضي برأسه، صار له صوت وصورة، ثم تمكّن في السنين الأخيرة من بسط سلطته وتحوّل إلى وجه مألوف في الشاشات الجزائرية. مع أن المحلّل الرّياضي لا يفيد المشاهد في شؤون الكرة، لا يتحدّث بلغة علمية، بل بلغة انفعال، لا يملك جديدا، بل يكرّر كلامًا معروفًا، مع ذلك فقط استطاع أن يجعل من نقاط ضعفه نقاط قوة. بل تمكّن من تحويل الكلام إلى سلعة تشترى بين المتفرجين. ففي زمن صارت البرامج التي تعرض في القنوات التلفزيونية المحلية لا تحظى بالمتابعة المرجوة، لأن هذه القنوات لا تتوافر على نقاشات جادّة في الشأن العام، ولا تبادر في إنتاج أفلام أو مسلسلات تلاقي الرضا، في ظلّ هذا الفقر في البرمجة، يتحوّل المحلّل الرياضي إلى نجم، مستفيدًا من تعلّق النّاس بالكرة، يتسلّل إلى الهواية المفضلة لديهم وينصّب نفسه وسيطًا بينهم وبين فرقهم المفضلة. فقد صارت تكاد لا توجد قناة في الجزائر لا تعرض برنامجا يلتقي فيه محللّون رياضيون، يتكلمون مثلما يمكن أن يتكلم أشخاص عاديون في ناصية طريق، لأن هؤلاء المحلّلين لا يأتون وفي أيديهم أوراق وأقلام أو لوحات إليكترونية، لا يحملون معهم أخبارًا أو إحصائيات، بل يجلسون أمام الكاميرا بعد إحماء اللسان، ثم يسرفون في الكلام. فالبرامج التي يحضر إليها محللون هي برامج التّلفزيون الأكثر صخبًا في الجزائر، في كلّ مرّة نسمع فيها من يوقف الآخر في الكلام أو يعترض عليه بصوت عالٍ، وفي كلّ مرة يجد المنشط نفسه في حرج عن عدم القدرة في تسيير الحوار. هؤلاء المحللون الذين يظهرون قبل كلّ مباراة وبعدها، لا يروون حرجًا في تحليل مباراة في الدّوري الإنكليزي، ثم في اليوم التّالي يحللون مباراة من القسم الثّالث في الدّوري المحلي، لأنّ قدرتهم في توزيع الكلام تتيح لهم الحديث في الكرة المحلية والدّولية في آن، بل من الغرائب أن صار المحلل الرّياضي شخصية عامة، ويسأله صحافيون عن رأيه في السياسة والفنّ، عن تزفيت طرقات وعن أسعار تذاكر السفر.
إن شخصية المحلل الرّياضي في الجزائر تستحق أن نتوقف عندها، لأنها نموذج عن عجز قنوات التلفزيون في ابتكار برامج تفيد المشاهد، مما يجعلهم يلجأون إلى هذا المحلل في ملأ الفراغ.

لغة لا اسم لها

نسمع في كلّ حين، على القنوات التلفزيونية في الجزائر، من يتحدّث عن ضرورة احترام أخلاقيات مهنة الإعلام وعدم الدّوس على القانون، وهو كلام جميل في ظاهره، لأن المقصود منه احترام المشاهد. لكن النقطة التي يتفادى الجميع الحديث عنها: ما هي لغة التلفزيونات في الجزائر؟ منطقيًا إنّها لغة البلد وفي الدستور هما اللغتين العربية والأمازيغية. وهذا هو الشائع في غالبية البرامج التي تعرض في الشاشات. لكن عندما يتعلق الأمر ببرامج الرّياضة، والتي تتأثّث بمحليين في شؤون الكرة، فإن اللغة تفقد هيبتها. ونسمع على ألسنتهم مزيجا من اللغات، يتراوح بين العربية والأمازيغية ولغات أجنبية أخرى، مع إكثار من العامية، وفي أحيان يتلفظون بكلام لا يصحّ أمام الكاميرا.
إنها لغة يمكن سماعها على أرصفة الطرقات أو بين أشخاص يتحلقّون في مقهى. هؤلاء المحللون يهمهم استمالة المشاهد بغض النّظر عن احترام سمعه أو لغته.
المهمّ ألا يطفأ التلفاز أو لا ينصرف عنهم إلى فضائية أخرى. واللعب على وتر اللغة، بالتلفظ بكلمات يمكن أن نسمعها في الشارع جعل من المحللين الرّياضيين في الصدارة، علاوة على كثرة ظهورهم في الشاشة، إلى درجة أن ظهورهم يتجاوز ظهور الومضات الإشهارية.
يظهرون قبل كلّ مباراة من أجل توقع النتيجة سلفًا، وعندما تنتهي المباراة عكس توقعاتهم لا بدّ أن يبحثوا عن كبش فداء، سواء الحكم أو مدرب أو سوء حال أرضية الملعب أو سوء أحوال الطقس.
يفترض أن مهامهم تنحصر في تفسير مجريات اللعب، لكنهم يقومون بمحاكمة المباريات، في توزيع إدانات على البعض أو إشادات بآخرين. نسمعهم من حين لآخر ينتقدون لاعبًا بسبب راتبه العالي، لكن هؤلاء المحللين لا يخبرون المشاهد كم يتقاضون وإن كانوا يدفعون الضرائب أم لا!
يمكن أن نصادف وجوههم على الشاشة في الصباح أو المساء، في شهر رمضان أو خارجه، في الصيف أو الشتاء، إلى درجة نظنّ فيها أنهم يحرسون القناة، أنهم يفتحون الباب ويغلقونه، مما رفع من شهرتهم، ومما يجعل المشاهد يكرّر: ما هي أهمية محلل رياضي في الجزائر؟ مهنته هي كثرة الظهور أم فائدته فلا تزال قيد البحث.

سعيد خطيبي

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات