قالت مجلة “جون أفريك” إن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بعد عام 2025 الذي اتسم بتوترات غير مسبوقة مع دول تحالف الساحل، بدأ يبعث بإشارات انفتاح جديدة، تركزت بشكل أساسي على النيجر بقيادة عبد الرحمن تياني.
وأوضحت المجلة أن تبون استغل مقابلته الدورية مع الصحافة الوطنية يوم 7 فبراير/شباط الجاري، وهو تمرين تواصلي اعتاد عليه، لرسم خريطة جديدة لعلاقات الجزائر مع جيرانها في الجنوب.
ففي سياق توتر دبلوماسي مع أعضاء تحالف دول الساحل، أظهر الرئيس الجزائري نوعا من “الود الانتقائي”، موزعا ما وصفته المجلة الفرنسية بـ“نقاط حسن السلوك” بشكل مدروس، معتبرةً أن الهدف الرئيسي لهذه المبادرة الدبلوماسية كان النيجر، حيث أعلن تبون أنه وجه دعوة رسمية للجنرال عبد الرحمن تياني، معربًا عن أمله في أن يقوم الأخير بزيارة إلى الجزائر.
وتابعت “جون أفريك” قائلة إن العلاقات مع بوركينا فاسو وُصفت بأنها “جيدة”، بينما يظل الملف المالي نقطة الخلاف الأساسية، حيث حمّل تبون باماكو مسؤولية القطيعة، محذرًا السلطات المالية من “الانجذاب إلى من يزودونها بالسلاح ويستخدمونها ضد الجزائر مقابل ثرواتها”.
وتعد هذه محاولة لإذابة الجليد بعد عام 2025، الذي شهد سلسلة أزمات دبلوماسية حادة. ففي أبريل/نيسان الماضي، أدى إسقاط طائرة مسيّرة للجيش المالي، اتهمتها الجزائر بانتهاك مجالها الجوي، إلى استدعاء سفراء دول التحالف الثلاث. وردت الجزائر بالمثل، وقطعت جميع القنوات الدبلوماسية، مما زاد من حدة التوتر.
وقالت “جون أفريك” إن هذا الفراغ استغله مباشرة المغرب “الخصم التقليدي للجزائر”. ففي 28 أبريل/نيسان عام 2025، استقبل الملك محمد السادس وزراء خارجية النيجر ومالي وبوركينا فاسو في القصر الملكي بالرباط. وتناول اللقاء موضوع تمكين دول الساحل غير الساحلية من الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر ميناء الداخلة، وهو ما أثار غضب الجزائر.
واعتبرت المجلة أن الجزائر، لاستعادة زمام المبادرة، لجأت إلى ما وصفته بـ“دبلوماسية المحفظة”. ففي نهاية يناير، زار وزير الطاقة والمناجم الجزائري محمد عرقاب نيامي لتأكيد استئناف نشاط شركة سوناطراك في حقل كافرا النفطي شمال النيجر.
هذا المشروع، الذي تقدر احتياطاته بـ260 مليون برميل، حيوي لاقتصاد النيجر، إذ يُتوقع أن يشكل النفط نصف العائدات الضريبية في عام 2026. وتبقى الورقة الاستراتيجية الأهم مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP)، الذي يهدف إلى نقل الغاز النيجيري إلى أوروبا مرورًا بالنيجر والجزائر.
وعليه، تقول “جون أفريك” إن الجزائر، من خلال الدعوة لاجتماع ثلاثي في شهر مارس/آذار المقبل، تعيد وضع نيامي في قلب لعبة النفوذ، ما يجعل أي قطيعة دبلوماسية مع الجزائر مكلفة اقتصاديًا للسلطة العسكرية في النيجر.
فمنذ انقلاب يوليو/تموز عام 2023 الذي أطاح بمحمد بازوم، ورغم رفع عقوبات الإيكواس في عام 2024، ما تزال الحدود مع بنين تمثل نقطة توتر رئيسية بين تحالف دول الساحل والمنظمة الإقليمية. وشلّ تبادل طرد الدبلوماسيين بين نيامي وكوتونو في يناير/كانون الثاني المُنصرم الممر الجنوبي، توضح “جون أفريك”.
ونقلت المجلة الفرنسية عن أحد ممثلي المجتمع المدني في نيامي قوله: “معظم منتجاتنا الأساسية تأتي من الجزائر. إنها منتجات جيدة وأقل تكلفة”.
واعتبرت “جون أفريك” أن هذه التبعية الغذائية والطاقوية تفسر صمت النيجر حيال انتقادات المنظمات الإنسانية بشأن معاملة المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء في الجزائر؛ مشيرةً إلى أنه في عام 2025، قدرت منظمة “ألارم فون صحارى” أن السلطات الجزائرية رحّلت أكثر من 34 ألف مهاجر إلى الصحراء قرب الحدود النيجرية. ورغم استدعاء السفير الجزائري في عام 2024، إلا أن نيامي لم تعد تبدي أي احتجاج يُذكر.
وتابعت “جون أفريك” أن التحرك الجزائري تجاه النيجر لا يلقى قبولًا في باماكو.. ونقلت في هذا الصدد عن مصدر مقرب من السلطة المالية قوله: “السلطات المالية لا تريد أن يكون لها أي تعامل مع الجزائر”.
وما يزال استقبال الجزائر لمعارضين ماليين، مثل الإمام محمود ديكو وأعضاء من جبهة تحرير أزواد، جرحًا مفتوحًا. كما أن النيجر لا ترغب في خسارة دعم حلفائها في ظل الأزمة الأمنية، التي تُعد أكثر إلحاحًا بالنسبة لها من التعاون الأمني مع الجزائر، تضيف المجلة الفرنسية.
ونقلت “جون أفريك” عن الباحث إيفان كليش قوله إن التوازن هش: “النيجر لا تريد فقدان دعم شركائها في مواجهة الأزمة الأمنية، وهي بالنسبة لها أكثر إلحاحًا من التعاون مع الجزائر”.
وما تزال بوركينا فاسو مصطفة بقوة إلى جانب موقف مالي، ما يضع الجنرال تياني أمام معضلة: إما الحفاظ على مبدأ “الصوت الدبلوماسي الموحد” لتحالف دول الساحل، أو الاستجابة لإغراءات القوة النفطية الجزائرية لتعزيز الاقتصاد، تقول المجلة الفرنسية.
واعتبرت “جون أفريك” في الأخير أن زيارة الدولة المحتملة للجنرال تياني إلى الجزائر، إذا تحققت، ستكون اختبارًا حقيقيًا لمدى تماسك تحالف دول الساحل.

تعليقات الزوار
لا تعليقات