دخلت العلاقات الجزائرية الإسبانية مرحلة جديدة، باعتماد مدريد سفيرا جديدا لها في الجزائر، موازاة مع زيارة هي الأولى من نوعها لوزير الخارجية الجزائري للعاصمة الإسبانية منذ تفجر الأزمة بين البلدين. يأتي ذلك، في ظل حديث عن ترتيب زيارة للرئيس عبد المجيد تبون لإسبانيا، بما يعكس توجها مشتركا لإعادة بعث الشراكة الثنائية وتوسيع مجالات التعاون.
وفي هذا السياق، أكد السفير الجديد لمملكة إسبانيا بالجزائر، راميرو فرنانديز باشيير، الإثنين، أن العلاقات الثنائية بين الجزائر وإسبانيا توجد “في أحسن حالاتها”، معربا عن إرادة حكومة بلاده في تعميقها وتعزيزها أكثر فأكثر. وجاءت تصريحات السفير الإسباني عقب تقديمه أوراق اعتماده إلى رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بصفته سفيرا جديدا لبلاده لدى الجزائر.
وأوضح باشيير أن الجزائر وإسبانيا “بلدان جاران وصديقان”، تجمعهما روابط تاريخية واقتصادية وثقافية عريقة، مشيرا إلى أن اللقاء مع رئيس الجمهورية شكل سانحة لاستعراض وتقييم واقع العلاقات الثنائية، التي وصفها بأنها تمر بأفضل مراحلها. وفي هذا الإطار، شدد على التزام مدريد بالعمل على توطيد هذه العلاقات والدفع بها نحو آفاق أوسع.
كما أبرز السفير الإسباني أن البلدين “متقاربان جدا”، مؤكدا وجود قطاعات ذات إمكانات كبيرة يمكن العمل فيها بشكل مشترك، ليس فقط على الصعيد السياسي والتبادل الاقتصادي، وإنما أيضا في قضايا مكافحة الهجرة غير الشرعية وأمن المنطقة، إلى جانب مجالات الدبلوماسية الثقافية والدبلوماسية البرلمانية. واعتبر أن هذه المحاور ستشكل الأساس الذي ستقوم عليه مهمته الدبلوماسية خلال فترة تواجده بالجزائر.
ويأتي هذا التطور في العلاقات الثنائية بعد نحو أسبوع من زيارة العمل التي قام بها وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، إلى إسبانيا، وهي الزيارة الأولى لمسؤول جزائري رفيع المستوى إلى مدريد منذ قرابة أربع سنوات.
وشملت زيارة عطاف جلسة عمل مع نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بوينو، استعرض فيها الجانبان واقع العلاقات الثنائية وآفاق تطويرها، لا سيما في الميادين المرتبطة بالطاقة والتجارة والاستثمار والنقل، فضلا عن مجالات التعاون القضائي والقنصلي. كما أكد الوزيران على أهمية استغلال الزيارة المرتقبة للوزير الإسباني إلى الجزائر من أجل التحضير الأمثل لعقد الدورة الثامنة للاجتماع رفيع المستوى الجزائري-الإسباني، وفق بيان الخارجية الجزائرية.
وبحسب المصدر ذاته، تبادل عطاف وألباريس وجهات النظر حول عدد من القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها تطورات الأوضاع في منطقة الساحل الإفريفي، إلى جانب التحديات المشتركة في الفضاء الأورو-متوسطي، بما يعكس تقاربا في الرؤى حول عدد من الملفات الاستراتيجية.
وفي السياق، نقلت الصحف الإسبانية أن حضور الجزائر لمدريد كان الهدف منه أيضا المشاركة في الاجتماع الذي عقد حول الصحراء الغربية في مقر السفارة الأمريكية في مدريد، علما أن الجزائر طرف مراقب في هذا الملف شأنها في ذلك شأن موريتانيا، بينما ستتركز المفاوضات بين طرفي النزاع المغرب وجبهة البوليساريو على ضوء التطورات الحاصلة في هذا الملف بعد قرار مجلس الأمن الأخير.
وتشير هذه المؤشرات السياسية والدبلوماسية المتزامنة، من اعتماد سفير جديد وزيارة وزير الخارجية، إلى رغبة متبادلة في طي صفحة التوترات السابقة وفتح مرحلة جديدة من التعاون، مدعومة بحديث متزايد عن تحضير زيارة مرتقبة للرئيس الجزائري إلى إسبانيا.
وفي بداية كانون الأول/ديسمبر الماضي، كشفت الصحف الإسبانية عن ترتيبات تجرى لإتمام هذه الزيارة خلال شهر ديسمبر نفسه، إلا أنها لم تتم مع احتمال ان تكون تأجلت. وبحسب ما نقلته صحيفة ذا أوبجكتيف حينها عن مصادر دبلوماسية، فإن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز يعتزم استقبال تبون في إطار ما وصفته الصحيفة بمحاولة مدريد الحفاظ على توازن حساس في علاقاتها مع كل من الرباط والجزائر، خاصة بعد التطورات الأخيرة في ملف الصحراء الغربية.
والمعروف أن الرئيس تبون لم يزر إسبانيا منذ توليه الرئاسة سنة 2019، رغم تنقلاته العديدة في أوروبا حيث زار البرتغال وإيطاليا وسلوفينيا، في حين زار سانشيز الجزائر آخر مرة سنة 2020.
وكانت العلاقات بين البلدين، قد شهدت انتكاسة قوية بعد قرار حكومة مدريد سنة 2022 تبني خطة الحكم الذاتي في الصحراء الغربية وهو ما تعارضه الجزائر التي تدافع عن حق الصحراويين الذين تستضيف جزءا منهم على أراضيها كلاجئين في تقرير المصير. وتقرر إثر ذلك، سحب السفير الجزائري من مدريد، ثم قرار الرئاسة الجزائرية، التعليق الفوري لمعاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون المبرمة مع المملكة الإسبانية سنة 2002.
وشكّل القرار الإسباني في ذلك الوقت مفاجأة للجزائر، على اعتبار مدريد هي القوة الاستعمارية السابقة في الصحراء الغربية ولا تزال القوة المديرة للإقليم. وذكرت الرئاسة الجزائرية في مبرراتها في ذلك الوقت أن ما فعلته إسبانيا “يعد انتهاكا لالتزاماتها القانونية والأخلاقية والسياسية للسلطة المسؤولة عن الإقليم والتي تقع على كاهل مملكة إسبانيا حتى يتم إعلان إنهاء الاستعمار في الصحراء الغربية من قبل الأمم المتحدة”.
وتسبب اضطراب العلاقات التجارية بين البلدين في خسائر للشركات الإسبانية تقارب 3.2 مليار يورو. وتشير الأرقام إلى أن الصادرات الإسبانية إلى الجزائر هوت من 1.9 مليار يورو عام 2021 إلى 330 مليونًا فقط في 2023، في انتظار أن تستعيد مستواها السابق.
ومع الوقت استعادت العلاقات تدريجيا طبيعتها، بينما تظهر المؤشرات السياسية والدبلوماسية المتزامنة اليوم، من اعتماد سفير جديد وزيارة وزير الخارجية، إلى رغبة متبادلة في طي صفحة التوترات السابقة وفتح مرحلة جديدة من التعاون بين بلدين تربطهما الجغرافيا والاقتصاد بشكل وثيق.

تعليقات الزوار
لا تعليقات