أخبار عاجلة

متى سيقوم أبناء آيت أحمد ونحناح بمراجعات سياسية مطلوبة؟

لماذا غابت ثقافة المراجعات السياسية في الجزائر عند أبناء الأحزاب والتيارات السياسية، التي تورطت بالعنف السياسي بعد الاستقلال بكل الملابسات والغموض الذي اعترى تلك اللحظة السياسية، وما تولد عنها من مسؤوليات مشتركة لا تعني طرفا دون آخر، هو الموضوع الحساس الذي أريد مناقشته هذا الأسبوع وأنا أتطرق إلى ظاهرة العنف السياسي المسلح في المجتمع الجزائري بعد الاستقلال، بداية مما سمي بتمرد جبهة القوى الاشتراكية بمنطقة القبائل -1963- التي ذهب ضحيتها العديد من الجزائريين من أبناء منطقة القبائل والجيش الوطني الشعبي، في مواجهات دامية دشنت مرحلة ما بعد الاستقلال، حول قضايا ذات جوهر سياسي متعلق بتسيير الدولة الوطنية.
حالة تمرد مسلح كان على رأسه حسين آيت أحمد وقيادة جبهة القوى الاشتراكية، لغاية إلقاء القبض عليه والحكم عليه بالإعدام ـ لم يتم تنفيذه لحين هروبه من السجن ومغادرته البلد ـ لغاية الاعلان عن التعددية السياسية بعد المصادقة على دستور 1989. مرورا بأزمة قيادة الولاية السادسة -1964- التي انطلقت بسبب تنظيم المؤسسة العسكرية، كان العقيد محمد الشعباني من أشهر ضحاياها غير المحظوظين، تم تنفيذ سريع للحكم الصادر ضده بالإعدام من قبل محكمة عسكرية كانت أقرب للتصفية خارج إطار القانون، منها لمحاكمة قانونية عادلة.

في هذه المرحلة التاريخية التي تميزت بتبنٍ واضح لظاهرة العنف السياسي من قبل النخب السياسية والعسكرية، كحل للإشكالات السياسية التي عانت منها بلدان كثيرة عبّرت عن نفسها على شكل تفشي الانقلابات العسكرية. عنف تم تبريره كجزء من ممارسة سياسية مقبولة، كما يظهر على مستوى الفكر السياسي ذاته، الذي تعامل مع المليشيات التي لجأت الأحزاب السياسية إلى تكوينها، كجزء أصيل من هيكل الحزب السياسي، مثله مثل المكتب السياسي، أو اللجنة المركزية، بين أبناء جيل مارس العنف وتعرض له بشكل كثيف في كل العالم وليس الجزائر فقط. عنف سياسي حتى إن كان محدودا سنجده حاضرا مرة أخرى لدى أبناء التيار الإخواني هذه المرة، ممثلا في الشيخ نحناح وجماعة الموحدين – منتصف السبعينيات – وهم يلجؤون إلى تخريب وقطع كوابل الهاتف العمومي كشكل من أشكال المعارضة للتجربة البومدينية وهي تتجه يسارا، كما عبر عنه نص الميثاق الوطني 1976. لم يكن أبناء هذا التيار الإخواني راضين عن محتواه في منطقة ذات كثافة عسكرية، تميزت بحضور نسبي لأبناء هذا التيار المكون في أغلبيته من أئمة ومعلمين وبعض التجار. لتعيش الجزائر موجة عنف أخرى مع تيار إسلامي أكثر جذرية هذه المرة ظهر مع تجربة مصطفى بويعلي -1940-1987، مناضل جبهة التحرير قبل التوجه نحو جبهة القوى الاشتراكية لاحقا، التي اختارها لمعارضة نظام ما بعد الاستقلال، للعبور لاحقا نحو الإسلام السياسي الراديكالي، الذي تبنى أفكاره هذا المجاهد، صاحب المستوى التعليمي البسيط والثقافة الدينية المتواضعة، كما أظهرته خطبه الدينية والسياسية، التي سجلها على شرائط كاسيت تم تداولها، انطلاقا من مساجد منطقة العاشور، التي كانت ملاذه الأخير لغاية وفاته.
موجات من العنف السياسي عاشها المجتمع الجزائري بعد الاستقلال، ستستمر معه لتظهر بشكل أكثر جماعية خلال التسعينيات قادتها في بدايتها، على الأقل عناصر، من بقايا هذه التجارب العنيفة التاريخية التابعة للإسلام السياسي بنسخته المحلية الجزائرية، كما ظهر في محطات كثيرة، حادثة تفجير المطار، على سبيل المثال، في صيف 1992. عبر كم كبير من التنظيمات المسلحة التي تم تكوينها خلال هذه الفترة، على رأسها وجوه من بقايا تلك الفترة العنيفة. لم تنجح معها إجراءات العفو التي استفادت منها خلال فترة حكم الرئيس الشاذلي بن جديد، الذي حاول فتح صفحة سياسية جديدة معها، اتسمت بالكثير من التسامح.
إجراءات نجحت رغم ذلك، على المدى المتوسط في إدماج هذه الأحزاب السياسية داخل لعبة سياسية لم تكن بالكمال المطلوب، استمر خلالها الكثير من أشكال التهميش، للكثير من الوجوه، رغم أنها أبعدت بشكل واضح أبناء هذه التيارات من الأجيال الصغيرة في السن عن العنف السياسي، قبلت اثناءه بقواعد العمل السياسي السلمي كقاعدة عامة، من دون أن تصل إلى مرحلة إنجاز مراجعة فكرية صارمة لهذه التجربة التاريخية العنيفة، التي لجأت لها بعض قيادات هذه التيارات، كما تكلمت عنها، فيما يخص حسين آيت أحمد ومحمد شعباني ومحفوظ نحناح، إذا اكتفينا بهذه الأسماء المشهورة، التي دفعت ثمن هذه التجربة السياسية التي أنجزتها بعد الاستقلال على شكل سجن ومطاردة. حصلت نتيجتها على مكانة رمزية واضحة جعلت البعض من اتباعها ينظر لها نظرة فيها الكثير من التقديس، لم يساعد الأجيال الجديدة من التعامل معها بنظرة تاريخية نقدية لمسارها السياسي الإنساني، الذي تم في ظرف سياسي شابه الكثير من أجواء العنف عل المستويين الوطني والدولي.
تجربة سياسية بمحطات العنف التي عرفتها، لم يكتب عنها أبناء هذه التيارات الكثير، كان يمكن أن تكون وسيلة للتخلص من شيطان العنف الذي تحاول بعض القراءات ربطه بالثقافة السياسية للجزائريين، كأفراد ومجتمع وهي تحيل إلى محطات تاريخية محددة، قبل الاستقلال خاصة. كان الجزائري فيها ضحية للعنف الاستعماري أكثر من منتج له. قد يكون حان وقت فتح نفاش اجتماعي واسع حوله، في هذا الوقت الذي تعيش فيه الجزائر حالة هدوء سياسي ليست مثالية، لكنها حاضرة في السنوات الأخيرة. لم يساعد الغلق السياسي- الإعلامي الذي يعيشه البلد هذه الأيام، إنجازه على مستوى وسائل الإعلام المغلقة ـ التلفزيون أساسا – رغم بعض الاختراقات المنجزة في مجال النشر، بعد الإعلان عن التعددية السياسية، عبرت عنها بواسطة المذكرات المكتوبة، والعودة القوية للكتاب التاريخي والسياسي اللتين عرفتهما الساحة الثقافة عبر سياسة النشر، التي عادت إليها بعض الحيوية. خلال مرحلة حكم الرئيس بوتفليقة الطويلة التي قضاها على رأس السلطة، أنجز خلالها جزءا من المصالحة الوطنية المرتبطة بعقد التسعينيات كان يمكن التفكير في توسيعها لتشمل هذه الأحداث التي عرفتها الجزائر في السنوات الأولى للاستقلال. كما كان الامر مع تمرد جبهة القوى الاشتراكية والولاية السادسة. تكملة للجهد الذي أنجزه الرئيس الشاذلي. كان يمكن أن يسمح للمجهود المبذول في قضية المصالحة الوطنية من تجاوز القراءة القانونية السائدة نحو آفاق أرحب، اجتماعية وسياسية للقطع مع شيطان العنف النائم الذي تريد بعض القراءات التاريخية والأنثروبولوجية ربطه بالجزائر كأفراد وشعب لم تفرق فيه بين الجذرية والعنف.

ناصر جابي

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات