عاد ملف تحطم الطائرة الليبية من طراز «فالكون 50» التي كانت تقل رئيس أركان الجيش الليبي الفريق أول محمد الحداد، إلى الواجهة مجدداً مع تأكيد السلطات التركية أن التحقيقات القضائية والفنية لا تزال جارية ولم تُضم نتائجها النهائية إلى ملف القضية حتى الآن، في وقت يتزامن فيه المسار القضائي مع حراك سياسي وعسكري ليبي-تركي يعكس حرص الطرفين على إدارة تداعيات الحادث ضمن قنوات مؤسسية منسقة، وسط أسئلة داخل ليبيا حول ملابسات الحادث وأبعاده الأمنية والسياسية.
وأعلن مكتب المدعي العام الرئيسي في أنقرة استمرار التحقيقات في حادث تحطم الطائرة قرب قضاء هايمانا جنوب العاصمة التركية، مؤكداً في بيان عاجل أن تقرير التحقيق لم يُرفع بعد إلى ملف القضية، وأن الإجراءات ما تزال مستمرة «بشكل شامل ودقيق»، بحسب نص البيان، في إشارة إلى أن الملف لم يصل بعد إلى مرحلة الحسم القضائي أو إعلان النتائج النهائية.
وأوضح البيان أن اجتماعاً عُقد بين مدعٍ عام تركي ومساعدين اثنين من مكتب المدعي العام الليبي المكلفين بالتحقيق، جرى خلاله تبادل المعلومات في إطار الاتفاقيات الدولية والعلاقات الثنائية، وتقييم ما تم إنجازه في التحقيقات بشكل متبادل، وهو ما يعكس مسار تعاون قضائي مباشر بين الجانبين، يهدف إلى توحيد المعطيات الفنية والقانونية المرتبطة بالحادث.
وفي سياق المعطيات الفنية، كان وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو قد أعلن في الرابع من فبراير الجاري انتهاء فحص مسجل الصوت الأول «الصندوق الأسود» للطائرة في بريطانيا، مشيراً إلى أن البيانات أظهرت تعطل المحرك الثاني بعد دقيقتين من الإقلاع، ثم تعطل المحرك الثالث، وصولاً إلى تعطل المحركات كافة، وهو ما فتح باب التساؤلات حول قرارات الطاقم في الدقائق الأولى بعد الإقلاع، خاصة فيما يتعلق بإمكانية طلب العودة إلى مطار أنقرة قبل الابتعاد عن المجال الجوي الآمن.
وأشار الوزير التركي إلى أن تفكيك خيوط الحادث جرى إلى حد كبير من الناحية التقنية، إلا أن القرار النهائي سيُتخذ بناءً على التحقيق القضائي وتقارير الخبراء، في تأكيد على الفصل بين الاستنتاجات الفنية الأولية والحكم القضائي النهائي، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن مسجل البيانات الثاني قديم وتعرض لأضرار بالغة، ولم يتم الحصول على معلومات مفيدة منه حتى الآن.
وتعود الحادثة إلى 23 كانون الأول/ديسمبر 2025، حين تحطمت الطائرة الخاصة قرب قضاء هايمانا أثناء نقلها الفريق أول محمد الحداد وأربعة من مرافقيه، إضافة إلى ثلاثة من أفراد الطاقم، ما أدى إلى مقتل جميع من كانوا على متنها، في واقعة شكّلت صدمة داخل المؤسسة العسكرية الليبية وأثارت تساؤلات واسعة حول معايير السلامة والطبيعة الفنية للطائرة ومسار الرحلة.
بالتوازي مع المسار القضائي، برز حراك عسكري ليبي-تركي لافت، تمثل في زيارة رسمية قام بها الفريق صلاح الدين النمروش، القائم بأعمال رئيس الأركان العامة الليبية، إلى أنقرة بدعوة رسمية من رئاسة الأركان التركية، في أول زيارة لمسؤول عسكري ليبي رفيع منذ حادثة تحطم الطائرة، وهي زيارة حملت دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى تأكيد استمرارية التعاون العسكري بين البلدين رغم حساسية الظرف.
وخلال الزيارة، التقى النمروش وزير الدفاع التركي يشار غولير، في إطار مشاورات هدفت إلى متابعة العلاقات العسكرية الثنائية وملفات التدريب والتنسيق، في وقت يشغل فيه النمروش المنصب الذي شغر عقب وفاة الحداد، ما يضفي على الزيارة بعداً مؤسسياً يتعلق بضمان استمرارية قنوات الاتصال العسكرية وعدم تأثرها بالحادث.
سياسياً، سبق هذا الحراك العسكري بثلاثة أيام لقاء جمع رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي برئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في طرابلس، حيث قدم قالن إحاطة للمنفي حول مستجدات التحقيقات في حادث تحطم الطائرة، في مؤشر على أن الملف يُدار أيضاً على مستوى أمني-سياسي رفيع بين الجانبين.
وأوضح المكتب الإعلامي لرئيس المجلس الرئاسي أن اللقاء تناول كذلك آخر تطورات المشهدين المحلي والإقليمي، وتبادل وجهات النظر بشأن ملفات ذات اهتمام مشترك، مع تأكيد الجانبين أن استقرار ليبيا يمثل ركيزة أساسية لأمن المنطقة، وشددا على أهمية استمرار التشاور والتنسيق بما يدعم المسار السياسي ويعزز فرص التوافق الوطني، في رسالة سياسية تربط بين إدارة ملف الحادث والحفاظ على استقرار العلاقات الثنائية.
وفي خلفية هذه التطورات، كانت السلطات التركية قد أعلنت في وقت سابق أن عطلاً كهربائياً يُرجح أنه السبب الرئيسي في سقوط الطائرة، بعد أن أظهرت التحقيقات الأولية خروج مولدين كهربائيين عن الخدمة قبيل اصطدامها بتل جبلي، وهو معطى تقني أعاد التركيز على الحالة الفنية للطائرة وسجل صيانتها، وعلى مدى التزام معايير السلامة في الرحلات الخاصة ذات الطابع العسكري.
وتشير القراءة العامة لمسار الأحداث إلى أن أنقرة وطرابلس تتعاملان مع حادثة تحطم الطائرة باعتبارها ملفاً متعدد الأبعاد، يجمع بين التحقيق القضائي الفني، والتنسيق العسكري المؤسسي، والتواصل السياسي-الأمني رفيع المستوى، في محاولة لاحتواء تداعيات الحادث ومنع تحوله إلى نقطة توتر أو توظيف سياسي داخلي، بانتظار ما ستسفر عنه نتائج التحقيق النهائية، التي ستبقى العامل الحاسم في إغلاق هذا الملف أو فتحه على احتمالات جديدة.
تحقيقات تركية ليبية مستمرة في تحطم طائرة الحداد

تعليقات الزوار
لا تعليقات