أخبار عاجلة

المتضررون من فيضانات المغرب يعودون إلى منازلهم بدعم حكومي وتعويض المتضررين

بعد أسابيع عصيبة على إثر الفيضانات الاستثنائية التي ضربت منطقة الغرب، أعلنت السلطات المغربية عن انطلاق العودة التدريجية للسكان الذين جرى إجلاؤهم، ضمن برنامج دعم حكومي واسع يهدف إلى إعادة الاستقرار وتعويض المتضررين، كما يواصل المشهد التضامني حضوره البارز إلى جانب التعبئة الرسمية.
وشكّلت التعليمات التي أعطاها العاهل المغربي محمد السادس للحكومة بإطلاق برنامج واسع للدعم والمساعدة لفائدة المتضررين من الاضطرابات الجوية الاستثنائية التي شهدها المغرب خلال الشهرين الماضيين، خاصة في سهل الغرب واللوكوس، الضوء الأخضر لبدء طيّ صفحة المحنة التي عاشها المواطنون في المناطق التي اجتاحتها الفيضانات.

عودة السكان

وأعلنت وزارة الداخلية الشروع في التنفيذ التدريجي لمخطط عودة الأهالي الذين جرى إجلاؤهم إلى منازلهم في أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان، إثر تحسن الأحوال الجوية واستيفاء شروط السلامة بالمناطق المنكوبة.
ووفق بيان لوزارة الداخلية تلقت «القدس العربي» نسخة منه، فإن هذه العودة تستند إلى مقاربة ميدانية انطلقت منذ 7 شباط/فبراير، تشمل إزالة مخلفات الفيضانات، وإعادة تأهيل البنيات التحتية من ماء وكهرباء وتطهير واتصالات، وفتح المسالك الطرقية، بما يضمن استقبال المواطنين في ظروف صحية وبيئية ملائمة. كما قالت الوزارة إنها اعتمدت مخططات إقليمية دقيقة لتنظيم العملية على مراحل، مع استئناف الخدمات العمومية تدريجيا، على أن يتم إبلاغ المعنيين بكل مرحلة عبر القنوات الرسمية والرسائل النصية القصيرة.
وفي هذا السياق، أعلنت عمالات (محافظات) أقاليم القنيطرة وسيدي سليمان وسيدي قاسم والعرائش إعطاء انطلاقة عملية العودة التدريجية والمنظمة للسكان الذيم جرى إجلاؤهم إلى منازلهم، ابتداء من يوم الأحد.
وأوضحت السلطات المحلية في بيانات تلقت «القدس العربي» نسخا منها، أن المرحلة الأولى تشمل عشرات القرى والأحياء الأكثر تضررا في الأقاليم المذكورة، حيث وضع مخطط لوجستي متكامل يضمن توفير وسائل النقل وتحديد مسارات آمنة بإشراف ميداني مباشر. وسيتم الإعلان عن عودة قاطني باقي المناطق تباعًا وفق تطور الوضعية الميدانية. وشددت السلطات على ضرورة التزام السكان بالتوجيهات الرسمية وعدم التوجه إلى المناطق المتضررة إلا بعد صدور إعلان يخص أحياءهم أو قراهم، مع إحداث نقط مراقبة لضبط الولوج.

استقرار تدريجي

على مستوى المستجدات الميدانية، تشهد المناطق التي صنفت «منكوبة» استقرارا تدريجيا بعد أسابيع عصيبة من فيضانات غير مسبوقة استدعت واحدة من أكبر عمليات الإجلاء في تاريخ المنطقة؛ ففي مدينة القصر الكبير (شمال غرب البلاد) التي عاشت لحظات رعب مع ارتفاع منسوب المياه، سُجّل أن المؤشرات الحالية إيجابية، وبدأ الضغط ينخفض مع تراجع التساقطات المطرية، بعدما بلغت نسبة ملء سد وادي المخازن 156 في المئة في ذروة الأزمة.
وفي منطقة الغرب لا تزال أجزاء من السهول تعاني من مخلفات الفيضانات، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية توسع المياه في المناطق المنخفضة بالقرب من مدن القنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان خلال الأسبوع الماضي. وتعدّ المنطقة «سلة غذاء المغرب» بطبيعتها المنبسطة التي تجعلها عرضة للغمر، وتجاوزت تساقطات الأمطار في غضون 48 ساعة ما يهطل عادة خلال موسم كامل.
ورغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بالشبكة الطرقية في الأقاليم المتضررة، حيث غمرت المياه العديد من المحاور وجرفت التربة، فإن شعار «البشر قبل الحجر» كان بوصلة عمليات الإنقاذ الاستباقية. ويبقى أمام فرق التجهيز عمل كبير لتقييم الأضرار وإصلاح الطرق غير الآمنة، بما يضمن انسيابية تنقل المواطنين والسلع.

الإنسان أولاً

المواطنون الذين لا تزال ذاكرتهم تحتفظ بصور فيضان مدينة آسفي (وسط غرب البلاد)، وخافوا من تكرار المشهد في القصر الكبير أو منطقة الغرب، اطمأنوا وهم يتابعون تحركات أجهزة الدولة وفق استراتيجية استباقية لم تقتصر على ما بعد وقوع الكارثة، بل سبقتها نشرات إنذارية وإجراءات احترازية وتحركات ميدانية.
واستخدمت القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي المروحيات في المناطق التي تعذّر وصول الزوارق إليها لإجلاء المرضى والمسنين وباقي السكان. وتداولت منصات التواصل الاجتماعي مشاهد لطائرات مروحية تنقل نساء حوامل من قرى معزولة بالقرب من سوق الأربعاء الغرب إلى المستشفيات الإقليمية في القنيطرة والعرائش.
كما حضر الأمن الوطني لحماية الأشخاص والممتلكات والمساعدة في الإجلاء والإنقاذ، بينما اشتغل عناصر الدفاع المدني لأكثر من 72 ساعة متواصلة. وكعادتها، بادرت «مؤسسة محمد الخامس للتضامن» إلى توزيع مساعدات غذائية وأغطية، مع نصب وحدات طبية متنقلة لمواجهة نزلات البرد والأمراض المرتبطة بالرطوبة.
شعبيًا، انطلقت قوافل تضامنية من طنجة والدار البيضاء والرباط وأغادير وغيرها، محمّلةً بالأغطية والملابس الشتوية ومستلزمات الرُّضّع. وساهم شباب متطوعون في اقتناء أحذية مطاطية وملابس دافئة للأطفال، وتوزيعها في القرى المتضررة. كما سخّر ممونو الحفلات معداتهم لإعداد وجبات ساخنة في مخيمات الإيواء، وفتح أصحاب قاعات الأفراح وشقق معدة للتأجير أبوابهم مجانا، بينما وفّر سائقو سيارات الأجرة خدمات نقل مجانية نحو المستشفيات والمراكز الحيوية.
ولم يتأخر مواطنون في فتح بيوتهم لاستقبال أسر متضررة، كما خصص مُلاّكُ شقق مساكنهم الفارغة للعائلات التي غادرت بيوتها تحت ضغط المياه، وسارع منعشون عقاريون وأرباب فنادق في مدن مجاورة للقصر الكبير، مثل العرائش وتطوان وطنجة، إلى وضع شقق وفنادق رهن إشارة الأسر المتضررة، ورفع أحد الفاعلين في قطاع العقار شعار «مفتاح لكل أسرة»، موفرا أكثر من 40 شقة مجهزة بالكامل للعائلات التي هدمت السيول بيوتها، مع التكفل بمصاريف تغذيتها لمدة أسبوع. كما ألغت دور ضيافة حجوزاتها التجارية لفتح أبوابها للمتضررين.
وشمل الدعم الجانب التربوي والنفسي، عبر توفير اللوازم المدرسية وتنظيم قوافل للدعم النفسي للأطفال والنساء. وانتقلت فرق مسرحية للهواة إلى مخيمات الإيواء لتقديم عروض ترفيهية بسيطة، ودعي الأطفال إلى الرسم والتعبير كوسيلة لتفريغ صدمة الفيضان.

الألم يتحول إلى أمل

النساء الحوامل كنّ محور رعاية خاصة، فقد سارعت «المبادرة الوطنية للتنمية البشرية» (هيئة رسمية للدعم الاجتماعي) في إقليم العرائش إلى العناية بهن، خاصة اللواتي في الأشهر الأخيرة من الحمل، من أجل مواكبة حالتهن الصحية ودعمهن لتجاوز الظروف الاستثنائية المرتبطة بالتغيرات المناخية.
إحدى تلك الحوامل حوّلت الألم إلى أمل، وانتزعت الفرحة من بين أوجاع المحنة، إذ أنجبت مولودا ذكرا في أحد مخيمات الإيواء بالقرب من منطقة مشرع بلقصيري. عملية الوضع التي جرت داخل سيارة إسعاف لم تترك لتترسخ كذكرى أليمة، فقد تحول متطوعو المنطقة إلى خلية نحل اشتغلت في أقل من 24 ساعة، وجمعت التبرعات لإقامة حفل عقيقة متكامل داخل إحدى الخيام الكبرى.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات