أخبار عاجلة

الحوار المهيكل في ليبيا يوسع نقاشاته حول القضاء والاقتصاد وحقوق الإنسان

 في وقت تتواصل فيه الجهود الأممية والدولية لدفع المسار السياسي الليبي نحو الانتخابات، اختتمت مسارات عدة منبثقة عن «الحوار المهيكل» اجتماعات حضورية ومشاورات موسعة ناقشت التحديات القانونية والمؤسسية والاقتصادية والأمنية التي ما تزال تعرقل الاستقرار، وسط تأكيدات أممية على أن معالجة هذه الملفات باتت شرطا أساسيا لتهيئة بيئة مواتية لإجراء انتخابات ذات مصداقية وشاملة للجميع.
ناقش أعضاء مسار المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان المنبثق عن «الحوار المهيكل» التهديدات المرتبطة بانقسام المؤسسة القضائية، والترابط القائم بين مسارات الحوكمة والأمن، وتأثير العمليات الانتخابية والسياق الأمني الهش على أوضاع حقوق الإنسان، وذلك وفق بيان صادر عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عقب اختتام اجتماعات استمرت خمسة أيام، ركزت على التحديات المستمرة التي تقوض إمكانية تنظيم انتخابات تحظى بالثقة.
وأكد البيان أن المشاركين شددوا على أهمية الحفاظ على قضاء موحد ومستقل قادر على حماية الحقوق الانتخابية والفصل في المنازعات، مع ضرورة التزام جميع الأطراف باحترام نتائج أي استحقاق انتخابي مقبل، باعتبار ذلك ركنا أساسيا لضمان الانتقال السلمي للسلطة وتعزيز ثقة المواطنين في العملية السياسية.
وفي إطار توسيع دائرة المشاركة، انخرط مسار المصالحة في مشاورات عبر الإنترنت مع ممثلين عن منظمات المجتمع المدني الليبي ومدافعين عن حقوق الإنسان المقيمين خارج البلاد، في خطوة هدفت إلى فتح باب الحوار أمام شرائح أوسع، لا سيما في ظل استمرار التحديات الأمنية التي تدفع العديد من النشطاء لمواصلة عملهم من الخارج.
وشاركت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، في هذه المشاورات، حيث استمعت إلى وجهات نظر المشاركين وتجاربهم المعيشية، مؤكدة أهمية اعتماد نهج قائم على الحقوق يتمحور حول الضحايا، باعتباره عنصرا ضروريا لإنجاح العملية السياسية وتحقيق مصالحة وطنية مستدامة.
ورحب المشاركون بهذه المشاورات بوصفها خطوة أولى مهمة نحو تعزيز إشراك فاعلي المجتمع المدني الليبي بالخارج في الحوار المهيكل، مشيرين إلى أنها تشكل أساسا لتواصل مستمر يضمن نقل مختلف الأصوات إلى طاولة النقاش، بما في ذلك أصوات المكونات الثقافية والشباب والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة ومن جميع المناطق. وقدم ممثلو المجتمع المدني مقترحات عملية استندت إلى تجارب سابقة، مع التأكيد على ضرورة صون حرية التعبير، ووضع تدابير حماية فعالة للصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، إضافة إلى حماية المرشحات للانتخابات اللواتي يواجهن أشكالا متزايدة من التحرش والعنف الرقمي، في ظل بيئة سياسية وأمنية غير مستقرة.
كما أثار المشاركون مخاوف تتعلق بالاحتجاز التعسفي، مطالبين بالإفراج عن المحتجزين دون سند قانوني، ومشددين على أن أي مسار للمصالحة الوطنية لا يمكن أن ينجح ما لم يستند بشكل واضح إلى مبادئ حقوق الإنسان، ويضع الضحايا والناجين في صميمه.
وفي مسار مواز، أعلنت البعثة الأممية اختتام ثاني جلسة حضورية رسمية للمسار الاقتصادي ضمن «الحوار المهيكل»، بعد اجتماعات استمرت خمسة أيام خلال الفترة من 8 إلى 12 شباط / فبراير، وركزت على إصلاح منظومة الدعم، وإعادة الهيكلة الاقتصادية، وتنشيط القطاع الخاص، ودفع الاقتصاد الليبي نحو التنويع وتقليل الاعتماد على النفط.
وبحسب البيان، تناولت النقاشات كيفية الموازنة بين متطلبات بناء الدولة وضمان العدالة الاقتصادية، مع بحث آليات ترشيد الدعم بما يضمن وصوله بشكل أفضل إلى المواطنين، وتحقيق الاستدامة الاقتصادية والاستقرار على المدى الطويل، في ظل ضغوط معيشية متزايدة.
وخلال جزء من الجلسات، استمعت تيتيه إلى مخاوف المشاركين من اقتراب ليبيا من «نقطة تحول حرجة»، محذرين من مخاطر اضطراب اجتماعي جسيم إذا استمر تأخير الإجراءات التصحيحية، في وقت يعاني فيه الليبيون من ارتفاع تكاليف المعيشة، وانخفاض قيمة العملة، ونقص فرص العمل.
وأكدت تيتيه أن الإصلاح الاقتصادي يمثل مدخلا محوريا للمضي بليبيا قدما، مشيرة إلى أن توصيات أعضاء الحوار ستسلط الضوء على مدى إلحاح التدابير والإصلاحات المطلوبة، بما يعزز قدرة الاقتصاد على الصمود ويحد من التوترات الاجتماعية.
وناقش أعضاء المسار فرص إطلاق إمكانات الاقتصاد الليبي عبر بناء اقتصاد أكثر تنوعا ومرونة، مع دور أقوى للقطاع الخاص في قيادة النمو والتوظيف، مؤكدين الحاجة إلى لوائح تنظيمية مستقرة، وإعادة تأهيل البنية التحتية لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وسلاسل القيمة المحلية، إلى جانب قطاعات ناشئة مثل الطاقة المتجددة والتصنيع والسياحة.
كما تطرقت النقاشات إلى الاتجاهات الديموغرافية وارتفاع معدلات الفقر والضغط المتزايد على الطبقة الوسطى، والحاجة لتعزيز التعليم والخدمات وخلق فرص العمل، مع تقديم مؤشرات على ارتباط وثيق بين الفقر والفساد والتشوهات الاقتصادية الهيكلية. وفي اليوم الأخير، التقى أعضاء المسار الاقتصادي، إلى جانب تيتيه ونائبتيها، بسفراء وممثلي فريق العمل الاقتصادي المنبثق عن عملية برلين، حيث عرضوا مخاوفهم من التدهور السريع للوضع الاقتصادي، وشددوا على ضرورة دعم إجراءات تصحيحية فورية، فيما أعرب عدد من السفراء عن دعمهم للمسار وتشجيعهم على التقدم نحو توصيات قابلة للتنفيذ.
وأوضحت البعثة أن فرق العمل ستبدأ صياغة الوثيقة الختامية خلال شهر رمضان، على أن تستأنف الاجتماعات في أوائل أبريل المقبل، مجددة التأكيد على أن «الحوار المهيكل» ليس هيئة لصنع قرار أو لاختيار حكومة، بل إطار لتقديم توصيات ملموسة لمعالجة تحديات الاقتصاد والحوكمة والأمن والمصالحة وحقوق الإنسان.
وفي سياق متصل، وجه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، نداء عاجلا إلى الأطراف السياسية والعسكرية في ليبيا، دعاهم فيه إلى الانخراط الجدي في مسار سلمي شامل لتجنب انزلاق البلاد نحو جولات جديدة من الصراع، وذلك خلال افتتاح القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد الإفريقي في أديس أبابا، التي ناقشت إلى جانب الملف الليبي قضايا الأمن والنزاعات وأزمات الديون والتغير المناخي في القارة.
ويُعد «الحوار المهيكل» إطارا تشاوريا أطلقته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بهدف كسر حالة الجمود السياسي التي تعيشها البلاد، في ظل تعثر المسار الانتخابي واستمرار الانقسام المؤسسي. ولا يمثل هذا الحوار هيئة لاتخاذ القرار أو لاختيار حكومة جديدة، بل منصة تجمع فاعلين ليبيين من خلفيات مختلفة لصياغة توصيات عملية ومحددة تركز على تهيئة بيئة مواتية لإجراء انتخابات تحظى بالقبول والمصداقية، ومعالجة الاختلالات العميقة التي تعيق عمل مؤسسات الدولة.
ويقوم الحوار المهيكل على مسارات متوازية تشمل الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، انطلاقا من مقاربة تعتبر الأزمة الليبية مركبة ومتداخلة. وتركز النقاشات داخل هذه المسارات على ملفات توحيد المؤسسات، وإصلاح الأطر القانونية والمؤسسية، ومعالجة الانقسام في القضاء، وإصلاح السياسات الاقتصادية، وضمان احترام حقوق الإنسان وإشراك المجتمع المدني، على أن تُترجم هذه النقاشات إلى توصيات قابلة للتنفيذ تشكل أرضية لدفع العملية السياسية إلى الأمام دون الدخول في صراع مباشر حول المناصب والسلطات.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات