أخبار عاجلة

اشتباكات معبر التوم تكشف هشاشة الجنوب الليبي بين التهريب وتعدد السلطات

فتحت الاشتباكات التي اندلعت على معبر التوم الحدودي بين ليبيا والنيجر خلال الساعات الماضية نافذة جديدة على حجم التوتر المتراكم في الجنوب الليبي، بعدما تحول المعبر إلى ساحة مواجهة بين قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر ومجموعة مسلحة أعلنت أنها من أبناء الجنوب وتطلق على نفسها اسم ثوار الجنوب. وبينما قالت المجموعة إنها سيطرت لساعات على النقاط الحدودية وأسرت أفرادا من قوات حفتر قبل انسحابها، أعلنت القوات التابعة لحفتر أنها استعادت السيطرة على المعبر لاحقا، وبدأت عمليات تمشيط واسعة في محيطه. وتزامن التصعيد في أقصى الجنوب مع توتر أمني منفصل في غرب البلاد، ما يعكس استمرار هشاشة الوضع الميداني وتعدد مراكز القرار الأمني في ليبيا، رغم تكرار الدعوات المحلية والدولية لتثبيت الاستقرار ودفع المسار السياسي نحو الانتخابات.
وبحسب رواية المجموعة المهاجمة، فإن تحركها جاء نتيجة تدهور الظروف المعيشية في الجنوب واحتجاجاً على ما وصفته بعمليات تهريب المحروقات إلى الخارج وتصفية الخصوم، معتبرة أن ما تقوم به محاولة لإعادة تصحيح مسار ثورة 17 شباط/فبراير، وإعادة الاعتبار لمطالب المناطق المهمشة. وتداولت منصات محلية مقاطع مصورة ظهر فيها مسلحون يؤكدون أنهم سيطروا على المعبر ونقاط حدودية مع النيجر لساعات، مع حديث عن وقوع قتلى وأسرى في صفوف عناصر تتبع قوات حفتر كانت متمركزة في الموقع. وتعكس هذه الرسائل جانبا من الغضب المتكرر في الجنوب، حيث تتداخل المعاناة اليومية المرتبطة بنقص الخدمات والوقود مع شعور متنام بأن الحدود تحولت إلى مساحة مفتوحة لتجارة التهريب والمنافسة المسلحة بدل أن تكون بوابة رسمية للتجارة والتنقل.
في المقابل، قدم إعلام موال لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر رواية مضادة، واعتبر ما جرى عملية تخريبية نوعية تقف خلفها عصابات مأجورة، على حد تعبيره، مع اتهامات بأن المجموعة تضم عناصر أجنبية وتتحرك وفق مصالح ارتزاق أو بدفع خارجي، وبثت منصات موالية لحفتر مقاطع قالت إنها توثق إعادة السيطرة على المعبر، كما نقلت وسائل إعلام محلية عن أحد المقاتلين التابعين لقوات حفتر قوله إن الهجوم طال معبر التوم وبعض نقاط التفتيش قبل أن تتدخل الكتيبة 676 التابعة للقيادة العامة والمتمركزة على الحدود للتصدي للمهاجمين، وأضافت الرواية ذاتها أن القوات لاحقت المسلحين في عمق الصحراء وتواصل تمشيط الشريط الحدودي لمنع أي محاولات تسلل جديدة.
ويعد معبر التوم نقطة استراتيجية بالغة الأهمية نظرا لارتباطه المباشر بحركة التجارة والعبور، ولأنه يمثل في الوقت نفسه أحد المسارات الأكثر حساسية في ملف الهجرة غير النظامية وتهريب الوقود والسلع عبر الحدود الجنوبية، وهو ما يجعل أي مواجهة حول السيطرة عليه تتجاوز بعدها العسكري إلى بعد اقتصادي وأمني أوسع، كما يمنحها بعدا رمزيا في معادلة النفوذ في الجنوب الليبي، حيث تعاني مناطق واسعة من ضعف الحضور الخدمي وارتفاع كلفة المعيشة وتقطع الإمدادات وعدم انتظام توفر الوقود في عدد من المدن والبلدات البعيدة عن مركز القرار في الشمال.
ومع إعلان قوات حفتر استعادة السيطرة على المعبر، خرجت تصريحات رسمية داعمة لهذا الموقف من الحكومة المكلفة من مجلس النواب، إذ قال نائب رئيس مجلس الوزراء للمنطقة الجنوبية أحمد حومة، إن الوضع الأمني في معبر التوم والمناطق المحيطة به مستقر وتحت السيطرة بعد فرار عناصر مسلحة وصفها بالمرتزقة عقب وصول قوات القيادة العامة إلى الموقع، وأضاف أن القوات أعادت تأمين المكان وفرضت السيطرة ومنعت أي محاولات تسلل أو اختراق عبر الحدود الجنوبية، كما أشار إلى سقوط أحد الجنود خلال التصدي للهجوم، ودعا المواطنين ووسائل الإعلام إلى تحري الدقة في نقل المعلومات والاعتماد على المصادر الرسمية وتجنب تداول الشائعات أو الأخبار غير الدقيقة.
وفي السياق نفسه، تحدثت رئاسة الأركان التابعة للقيادة العامة عن أن مجموعة مدعومة بأجندات خارجية نفذت هجوما على مواقع عسكرية حدودية مع النيجر، مؤكدة -وفق بيانها- أنه جرى دحر المهاجمين والقضاء على عدد منهم وإلقاء القبض على آخرين، وشددت على أن القوات ستتعامل بكل قوة مع أي محاولة تستهدف تقويض الأمن أو زعزعة الاستقرار في المناطق التي تتولى تأمينها، مع التأكيد على التزامها بحماية الحدود والحفاظ على أمن البلاد، وهي عبارات تكررت في بيانات سابقة مرتبطة بالتوترات الحدودية لكنها تعكس أيضا طبيعة التعامل الأمني الخشن مع أي تحركات مسلحة في تلك المنطقة.
وفي طرابلس وبعيدا عن معبر التوم، أفادت مصادر محلية بهدوء الأوضاع وعودة الحركة تدريجيا في جنوب مدينة الزاوية غربي العاصمة بعد اشتباكات اندلعت مساء الجمعة في منطقة السيدة زينب بين مجموعتين إحداهما تابعة لوزارة الدفاع والأخرى للمجلس الرئاسي، وقال عضو مجلس حكماء وأعيان الزاوية البشتي الزحوف، إن الأطراف المتنازعة عادت إلى مواقعها مع عودة الحياة إلى طبيعتها وفتح الطريق الساحلي من الاتجاهين، بينما دعا فرع الهلال الأحمر السكان إلى التزام منازلهم والابتعاد عن الأماكن المكشوفة، مطالبا بوقف الاشتباكات وفتح ممر آمن لإخلاء العائلات العالقة وضمان سلامة المدنيين، ويعكس هذا التطور استمرار الاحتكاكات المحلية في الغرب الليبي بما يضيف ضغطا أمنيا جديدا في وقت تشهد فيه البلاد أصلا انقساما في السلطات وتشابكا في الولاءات العسكرية.
وفي إطار ردود الفعل السياسية، أدان النائب الثاني لرئيس مجلس النواب المصباح دوومة أوجيدة، الهجوم الذي استهدف عددا من النقاط الحدودية في الجنوب الليبي، واعتبره تهديدا مباشرا للأمن الوطني وانعكاسا خطيرا لحالة عدم الاستقرار في المنطقة الجنوبية، كما تحدث عن تحركات لعناصر مسلحة ومرتزقة عبر الحدود وسط ما وصفه بتسهيلات أو تغاض من بعض دول الجوار، داعيا إلى موقف وطني حازم لمواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة. وفي الاتجاه ذاته، أصدرت لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب بيانا استنكرت فيه الهجوم واعتبرته عملا غادرا يهدف إلى زعزعة الاستقرار وإثارة الفوضى، مشيدة بالرد السريع لقوات حفتر ومؤكدة دعمها لأي جهود لتأمين الحدود وتعزيز الاستقرار.
وبين الروايات المتناقضة حول ما جرى في معبر التوم، تبقى المؤشرات الأوضح أن الجنوب الليبي ما زال ساحة مفتوحة لتقاطع الأزمات الاقتصادية والأمنية، وأن الاحتقان المرتبط بالتهريب وتدهور الخدمات ونقص الوقود يمكن أن يتحول بسرعة إلى مواجهات مسلحة، كما يبرز الحادث مجددا حساسية ملف الحدود الجنوبية في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للدول وتحديات مرتبطة بالهجرة غير النظامية وانتشار السلاح، وفي ظل هذا الواقع تتجدد الأسئلة حول قدرة المؤسسات المنقسمة على بناء ترتيبات أمنية موحدة تضمن حماية المعابر وتخفيف العبء عن السكان وتهيئة بيئة أكثر استقرارا لأي مسار سياسي يفترض أن يقود إلى انتخابات طال انتظارها.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات