منحت السلطة في الجزائر مهلة للأحزاب السياسية من أجل تقديم مقترحاتها حول التعديل التقني للدستور ومشروع القانون المتعلق بالانتخابات، تحسبًا للاستحقاقات الانتخابية المقررة خلال الأشهر المقبلة.
ومن المقرر أن ترفع الأحزاب التي شاركت في الندوة المنظمة لهذا الغرض مقترحاتها كتابيًا إلى رئاسة الجمهورية مع بداية الأسبوع المقبل، على أن تتولى لجنة مختصة على مستوى رئاسة الجمهورية دراسة هذه المقترحات.
وكانت الندوة التي قادها مدير ديوان رئاسة الجمهورية، بوعلام بوعلام والوزير الأول سيفي غريب، الاسبوع الماضي، قد عرضت على أبرز الأحزاب الفاعلة في الساحة، مسودة التعديل الدستوري التي تضمنت عشر نقاط أبرزها ما يتعلق بإعادة ضبط صلاحيات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات وإعادة النظر في تركيبة المجلس الأعلى للقضاء.
وفي هذه النسخة من التعديلات، فإنه تم اقتراح إدراج شرط إثبات مستوى تعليمي للترشح لمنصب رئيس الجمهورية. كما اقترح ضبط مراسم أداء اليمين الدستورية عبر تحديد الهيئة التي يتم الأداء أمامها والجهة التي تتولى تلاوة اليمين.
وتضمّن العرض اقتراح تمكين رئيس الجمهورية من تقرير الدعوة إلى تنظيم انتخابات محلية مسبقة عند الاقتضاء. وحاليا يمكن للرئيس فقط الدعوة لانتخابات رئاسية وتشريعية مسبقة فقط.
كما تم اقتراح حذف شرط استصدار الرأي المطابق للمجلس الأعلى للقضاء في ما يخص التعيين في المناصب النوعية أو الحركة السنوية لرؤساء المجالس القضائية ورؤساء محافظي الدولة، على اعتبار أن رئيس الجمهورية يترأس المجلس الأعلى للقضاء.
وفيما يخص مجلس الأمة، اقترح التعديل تحديد مدة عهدة رئيس المجلس بست سنوات بدل ثلاث، مع الإبقاء على مبدأ التجديد النصفي، بهدف ضمان استمرارية الخبرة وتفادي القطيعة الناتجة عن التغيير المتكرر.
كما تضمّن مشروع التعديل التقني اقتراح إدراج حكم انتقالي يُعتمد عليه عند الحاجة، بهدف سد الفراغ الدستوري وتوفير أساس قانوني للتجديد النصفي لأعضاء مجلس الأمة المنتخبين خلال العهدة الأولى بعد مرور ثلاث سنوات، تكريسًا لمبدأ استمرارية مؤسسات الدولة.
وشملت المقترحات تحسين الإطار التنظيمي لانعقاد الدورة البرلمانية العادية، مع ضمان مرونة افتتاحها في شهر سبتمبر واختتامها بعد عشرة أشهر. وحاليا، تفتح الدورة الدستورية في الثاني من شهر سبتمبر.
وعلى صعيد المجلس الأعلى للقضاء، اقترح التعديل إعادة تنظيم تشكيلته من خلال الاستغناء عن عضوية ثلاث فئات، وهي الأعضاء الذين يختارهم رئيسا البرلمان، والتمثيل النقابي، ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مقابل إدراج عضوية النائب العام لدى المحكمة العليا.
وبخصوص السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، التي أسند لها دستور 2020 مهام التحضير والتنظيم وتسيير العملية الانتخابية والإشراف عليها، دون تحديد دورها الرقابي، تم اقتراح توسيع مهامها الرقابية، مع إسناد مهام التحضير المادي واللوجيستي للإدارة. يذكر أن الدستور الحالي تم اعتماده سنة 2020 عبر استفتاء شعبي سنة بعد وصول الرئيس عبد المجيد تبون للحكم.
وفي سياق النقاشات الجارية حول مشروع التعديل التقني للدستور ومشروع القانون العضوي المتعلق بالانتخابات، برز تباين في مواقف الأحزاب السياسية، من حيث تقييم طبيعة التعديلات المقترحة وأهدافها وانعكاساتها على المسار السياسي والانتخابي.
وعبّر حزب العمال الذي تقوده لويزة حنون عن موقف نقدي، معتبرا أن هذه التعديلات، وإن وُصفت بالتقنية، تمس في جوهرها منظومة الحكم وطبيعة اشتغال بعض مؤسسات الدولة، ما يمنحها طابعًا سياسيًا واضحًا. وأشار الحزب إلى أن الدستور الحالي صيغ وتم تمريره في ظروف استثنائية مرتبطة بجائحة كورونا، دون نقاش شعبي أو حزبي واسع، داعيًا إلى إعادة الكلمة للشعب وفتح نقاش وطني شامل لتحديد منظومة الحكم. كما شدد على ضرورة إدراج قاعدة تدرج القوانين لمنع المساس بالحقوق السياسية والحريات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية عبر قوانين أدنى مرتبة من الدستور.
وفيما يتعلق بمشروع قانون الانتخابات، اعتبر حزب العمال أن الإشكال لا يكمن في الحاجة إلى تعديل تقني، بل في ضرورة إصلاح جوهري، بالنظر إلى ما وصفه بأحكام تقييدية وتعجيزية تمسّ الأحزاب السياسية، وتكرّس، حسبه، تمييزًا تحت غطاء تشجيع الشباب، بما يضعف الممارسة السياسية المنظمة ويؤثر على طبيعة السلطة التشريعية.
كما توقف الحزب عند التعديل المتعلق بالسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، معتبرا أن هذه الهيئة ينبغي أن تكون مرحلة انتقالية نحو ديمقراطية فعلية، في ظل ما سجله من اختلالات وانحرافات منذ تأسيسها، داعيًا إلى تقديم ضمانات قانونية حقيقية تعيد ثقة المواطنين في العملية الانتخابية.
في المقابل، عبّرت حركة البناء الوطني عن موقف داعم للتعديلات المقترحة، مثمنة تنظيم الندوة ومعتبرة إياها دليلا على إشراك الفاعلين السياسيين في صياغة القوانين الأساسية. ورأت الحركة أن التعديلات التقنية للدستور تندرج ضمن مقاربة واقعية تهدف إلى معالجة مسائل إجرائية وتحسين انسيابية عمل مؤسسات الدولة، دون المساس بالمبادئ الأساسية والثوابت الدستورية.
وأكدت الحركة الموالية للرئيس تبون تمسكها بدستور 2020، معتبرة إياه إطارًا مكرسًا للحقوق والحريات والممارسة الديمقراطية، ومشددة على أن مسار التشاور حول القوانين السياسية يعكس التزامًا بالحوار والانفتاح السياسي. كما ربطت التعديلات المقترحة بضمان استقرار المؤسسات وتعزيز نزاهة المسار الانتخابي، في ظل التحديات الداخلية والخارجية الراهنة.

تعليقات الزوار
لا تعليقات