أعاد تسليم الجزائر للمحامي والنائب التونسي السابق سيف الدين مخلوف الجدل حول حقوق اللاجئين في تونس والجزائر، وخاصة أنها ليست المرة التي يتم فيها تسليم أشخاص طلبوا لجوءا في كلا البلدين.
وقالت المحامية حنان مخلوف أن السلطات الجزائرية قامت بتسليم شقيقها النائب السابق والقيادي بحزب ائتلاف الكرامة، سيف الدين مخلوف “في انتهاك خطير لكل القوانين الدولية ومبادئ حقوق الإنسان وقوانين اللّجوء، وخرقٍ صارخ لمبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يمنع إعادة أي معارض سياسي إلى بلد يواجه فيه الاضطهاد والمحاكمات السياسية”.
وأشارت إلى أنه “تمّ إبلاغ سيف بنقله إلى العاصمة الجزائرية للقيام ببعض الإجراءات إدارية، حيث تمّ تغيير الوجهة سرًا وتسليمه على الحدود التونسية، في تصرّف يجسّد الغدر والاستهتار بالقانون الدولي”، وفق تعبيرها.
ويواجه مخلوف حكما غيابيا بالسجن لمدة خمس سنوات في تونس بتهمة التآمر على أمن الدولة، وتم إيقافه قبل عام ونص من قبل السلطات الجزائرية بتهمة اجتياز الحدود خلسة، قبل أن يتقدم بطلب لجوء للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الجزائر.
واعتبر حزب ائتلاف الكرامة أن تسليم مخلوف هو “خطوة خطيرة تمثّل تواطؤا مع منظومة القمع والاستبداد، ومشاركة في تنفيذ أحكام مسيّسة تفتقد لأدنى الضمانات القضائية، في تناقض صارخ مع ما يدّعيه النظام الجزائري من حياد ووقوف على نفس المسافة من جميع الأطراف السياسية المتنازعة في تونس”.
وأضاف، في بيان على موقع فيسبوك: “هذا التسليم، الذي تمَّ في ظروف غامضة وبطريقة تثير الريبة، يشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ومبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في اتفاقية جنيف لعام 1951، التي تُعد الجزائر طرفًا فيها، والذي يحظر إعادة أي معارض سياسي إلى بلد يواجه فيه خطر الاضطهاد والمحاكمات غير العادلة”.
وأكد الحزب أن مخلوف هو “طالب لجوء سياسي تم قبول ملفه من قبل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ولم تبقَ سوى إجراءات بسيطة لإتمام الحماية الدولية، وتسليمه في هذا السياق يمثّل خيانةً للمبادئ الإنسانية والقانونية، وخيبة أمل عميقة في دولة المليون شهيد التي كان يُنتظر منها أن تكون حصناً للحقوق لا شريكاً في انتهاكها”.
واعتبر الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي أن تسليم مخلوف لتونس “وصمة عار في جبين السلطات الجزائرية. وكل تقاليد العرب والمسلمين التي اتبعها حتى أكبر الطغاة تمنع أن يسلم المستجير بحماك ولو كان ألد الأعداء. وهي قيم فوق طاقة فهمهم”.
وتابع المرزوقي: “تسليم مخلوف هو انتهاك صارخ لكل المعايير الدولية بخصوص اللاجئين السياسيين، خاصة أنه كان محميا وينتظر الوصول إلى جنيف بعد أن تكفلت المنظمة الأممية للاجئين بملفه”.
وأدانت جمعية ضحايا التعذيب بجنيف قرار السلطات الجزائرية تسليم مخلوف إلى تونس “رغم علمها بالمخاطر المحدقة به”، معتبرة أنه يمثل “خرقًا واضحًا لمبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يُعدّ قاعدة آمرة في القانون الدولي”.
كما حملت السلطات التونسية المسؤولية الكاملة عن سلامته الجسدية والنفسية، وعن احترام حقوقه القانونية الكاملة.
ودعت الهيئات الأممية والآليات الدولية المعنية بحقوق الإنسان إلى التحرّك العاجل لمتابعة هذا الملف وضمان عدم تعرّض مخلوف للتعذيب أو المعاملة القاسية.
كما طالبت الجمعية بالإفراج الفوري عن مخلوف، ووقف كل الملاحقات ذات الطابع السياسي في حقه وفي حق جميع سجناء الرأي في تونس.
وهذه ليست المرة الأولى التي يثار فيها الجدل حول تسليم طالبين للجوء في تونس والجزائر، ففي عام 2021 استنكرت منظمات حقوقية تسليم الناشط الجزائري المعارض سليمان بوحفص الذي يتمتع بصفة لاجئ في تونس، إلى السلطات الجزائرية.
وفي المقابل، وجهت المعارضة التونسية انتقادات كبيرة للرئيس قيس سعيد عام 2023 بعد منحه إذنا للسفر للمعارضة الجزائرية، أميرة بوراوي، التي كانت تواجه حكما بالسجن لعشرة أعوام في بلادها، قبل أن تنجح بالتسلل إلى تونس والمغادرة إلى باريس بعد تدخل السفارة الفرنسية في تونس.
وحذر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية من تحول حق اللجوء إلى صفقة بين الأنظمة المغاربية.
واعتبر أن تسليم مخلوف يمثّل “انتهاكًا متجددًا للقانون الدولي للاجئين، وتقويضًا خطيرًا لمنظومة الحماية الدولية، وضربًا في العمق لمبدأ عدم تسليم أي شخص إلى دولة قد يتعرّض فيها للاضطهاد أو الملاحقة على خلفية آرائه أو مواقفه السياسية ولا تتوفر بها ضمانات المحاكمة العادلة”.
كما أشار إلى ما سماه “سوابق مقلقة في تسليم اللاجئين” لدى لسلطات التونسية، التي “قامت بتسليم السياسي الليبي البغدادي المحمودي إلى السلطات الليبية سنة 2012، كما سلّمت سنة 2021 الناشط السياسي الجزائري سليمان بوحفص إلى السلطات الجزائرية، رغم تمتّعه بصفة لاجئ”.
واعتبر المنتدى أن “هذه الممارسات الخطيرة تشير إلى تحويل حق اللجوء من آلية إنسانية وقانونية لحماية الأفراد إلى ورقة مساومة وصفقة سياسية بين الأنظمة المغاربية، على حساب حقوق الأشخاص وحرياتهم وسلامتهم الجسدية والنفسية”.
وطالب المنتدى الدول المغاربية باحترام التزاماتها بموجب اتفاقية جنيف وبروتوكولها، وضمان استقلالية إجراءات اللجوء عن التجاذبات السياسية.
كما دعا المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى تحمّل مسؤولياتها والتحرك العاجل لوقف هذه الانتهاكات وعدم تكرارها.
وكتب المحامي والوزير السابق سليم بن حميدان “تسليم مخلوف يشكل قطيعة واضحة مع ممارسات سابقة للدولة الجزائرية، التي كانت، في فترات سابقة، ملاذًا آمنًا لأعتى المعارضين التونسيين المطاردين من نظام زين العابدين بن علي وقبله بورقيبة (راشد الغنوشي ومحمد مزالي مثالا)، حيث وفّرت لهم الحماية وسهّلت مغادرتهم نحو دول أوروبية منحتهم لاحقًا حق اللجوء السياسي، في احترام نسبي لقواعد القانون الدولي”.
وتابع بن حميدان: “قرار تسليم سيف الدين مخلوف لا يمكن فصله عن سياق إقليمي يتسم بتقارب أنظمة تسلّطية تعتمد المقاربة الأمنية ذاتها في مواجهة المعارضة، وتتقاسم الخوف نفسه من أي صوت حر أو تجربة ديمقراطية، ولو كانت معطوبة. وهو ما يطرح مخاوف جدية بشأن مستقبل حقوق الإنسان والحريات السياسية في المنطقة المغاربية والعربية عمومًا”.

تعليقات الزوار
لا تعليقات