أخبار عاجلة

الاحتلال يواصل عمليته العسكرية للوصول إلى حدود القدس النهائية

واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عمليتها العسكرية في القدس المحتلة، التي أطلقت عليها اسم “درع العاصمة”، منذ أربعة أيام، مستمرة في أنشطتها العسكرية في بلدة كفر عقب ومخيم قلنديا، إضافة إلى بلدتي حزما والعيساوية.

وفي مخيم قلنديا، أطلقت القوات قنابل الغاز السام نحو المواطنين في شارع المطار شمال القدس المحتلة. وأكدت مصادر محلية أن الاحتلال اقتحم الشارع وأطلق الغاز تجاه المتواجدين، دون تسجيل إصابات. كما أوضحت المصادر أن قوة من جيش الاحتلال اقتحمت بلدة العيساوية شمال شرق القدس المحتلة، دون أن تُسجل أي اعتقالات أو مواجهات.

ومنذ الاثنين الماضي، يواصل جيش الاحتلال عدوانه الواسع شمال القدس، شمل اقتحام بلدة كفر عقب ومحيط مخيم قلنديا، بزعم تعزيز السيطرة على امتداد جدار الفصل والتوسع العنصري، حيث شرع بهدم منشآت فلسطينية.

ويندرج هذا العدوان ضمن سياسة ممنهجة لتشديد السيطرة الاستعمارية على محيط القدس، في ظل مزاعم تقارير رسمية إسرائيلية أقرت مؤخرًا بوجود ثغرات واسعة في مسار الجدار، خاصة في محيط المدينة، يستغلها الاحتلال ذريعة لتكثيف إجراءاته العسكرية والعقابية بحق الفلسطينيين.

وأكدت محافظة القدس أن أعمال الهدم التي تنفذها قوات الاحتلال في شارع المطار قرب مخيم قلنديا تُنفَّذ على قطعة الأرض رقم (1) المحاذية لمعهد قلنديا للتدريب التابع لوكالة الأونروا، وهي أرض مسجّلة رسميًا في الطابو باسم “أراضي مطار – خزينة المملكة الأردنية الهاشمية”.

وفي بلدة حزما، أعادت قوات الاحتلال اقتحام البلدة الواقعة شمال شرق القدس بعد ساعات من انسحابها، حيث اقتحمت قوة من الجيش البلدة وأطلقت قنابل باتجاه المحال التجارية، ما أجبر أصحابها على إغلاقها مجددًا. وبقي عشرات المواطنين لساعات عالقين داخل مركباتهم أمام الحواجز العسكرية التي أُقيمت على مداخل البلدة.

وكانت القوات قد انسحبت مساء الأربعاء بعد اقتحام وإغلاق واسع استمر على مدار يومين، تخلله حصار مشدد، مداهمات واسعة للمنازل، وقيود صارمة على حركة المواطنين، لكن الاحتلال أعاد العملية على البلدة التي يبلغ عدد سكانها نحو 12 ألف نسمة.

وخلال العملية التي بدأت يوم الاثنين، أغلقت قوات الاحتلال جميع مداخل البلدة والطرق الوعرة البديلة، وأقامت حواجز وسواتر ترابية، ما أدى إلى شلل شبه كامل في الحركة داخل شوارعها.

كما نفذت القوات عشرات عمليات الاقتحام والمداهمة للمنازل والمحلات التجارية، واعتقلت 13 مواطنًا، إضافة إلى إجراء أكثر من 100 عملية تحقيق واستجواب ميداني داخل المنازل، تعرّض خلالها عدد من المواطنين للضرب والتنكيل.

وصادرت قوات الاحتلال أكثر من 35 مركبة ودراجة نارية، واستولت على ثلاثة منازل في البلدة، حوّلت أحدها إلى مركز تحقيق ميداني، فيما حوّلت منازل أخرى إلى ثكنات عسكرية خلال فترة الاقتحام.

وخلال الليلة الماضية، كثفت القوات مداهماتها، وألحقت أضرارًا واسعة بعدد من المنازل، في اعتداءات اتسمت بالتخريب المتعمد للممتلكات وتفتيش الهواتف النقالة، فيما أفادت عائلتان بتعرضهما لسرقة مصاغ ذهبي ومبالغ مالية أثناء اقتحام منزليهما.

وتخلل الاقتحام إطلاق كثيف لقنابل الصوت والغاز السام تجاه المواطنين عند مداخل البلدة، ومنعهم من الدخول أو الخروج، ما دفع مدارس البلدة إلى إعلان إغلاقها طوال فترة الاقتحام حفاظًا على سلامة الطلبة، في ظل التواجد العسكري المكثف داخل الأحياء السكنية.

كما أقدمت قوات الاحتلال على هدم مخزن تجاري في بلدة حزما دون إخطار مسبق.

بدورها، أدانت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الحملة التي وصفتها بـ”الهمجية المسعورة” التي تقوم بها حكومة الاحتلال شمال مدينة القدس، بدءًا من بلدة حزما وصولًا إلى محيط مخيم قلنديا وكفر عقب، وما تخللها من هدم عشرات المحال التجارية وعمليات تجريف واسعة وفرض حظر التجول على أكثر من مائة ألف فلسطيني، والتهديد بهدم مركز التدريب المهني التابع للأونروا الواقع مقابل مخيم قلنديا على غرار هدم مبنى الوكالة الرئيسي في الشيخ جراح، ومخطط البناء الاستيطاني في مطار قلنديا.

واعتبرت الجبهة أن الهدف الرئيسي للاحتلال يتمثل في التطهير العرقي وتهجير اللاجئين الفلسطينيين من مخيم قلنديا وإعادة هندسته على غرار ما يجري في مخيمات طولكرم وجنين، بهدف إنهاء الوجود الفلسطيني في المنطقة الواصلة بين القدس ومحافظة رام الله وتكريس الضم، ضمن السياسة التي تقودها حكومة الاحتلال لتفريغ المنطقة بالكامل من سكانها وتغيير طابعها ضمن ما يعرف بمخطط “القدس الكبرى”.

يعكس المشهد في مناطق القدس الشرقية تصعيدًا جديدًا في سياسة الهدم والتضييق على الفلسطينيين، تحت غطاء أمني وقانوني، وبأهداف تتجاوز ما تعلنه سلطات الاحتلال من ذرائع تتعلق بفرض السيادة والأمن.

وبحسب بيان للشرطة الإسرائيلية، انطلقت الحملة يوم الاثنين الماضي بمشاركة مئات العناصر من الشرطة والجيش، وبالتعاون مع بلدية القدس الغربية، بزعم “تعزيز السيادة في منطقة خط التماس وتعزيز الشعور بالأمن في الحيز العام”. وتوقعت الشرطة استمرار الحملة خلال الأيام المقبلة، مع تنفيذ عمليات هدم إضافية تستهدف عشرات المباني الفلسطينية، بزعم أنها “غير قانونية وتشكل خطرًا أمنيًا”.

وتصنف بلدة كفر عقب ضمن حدود بلدية الاحتلال في القدس، ويقطنها عشرات آلاف الفلسطينيين، يحمل معظمهم الهوية المقدسية، رغم فصلها فعليًا عن القدس الشرقية بواسطة جدار الفصل العنصري وحاجز قلنديا العسكري، ما جعلها منطقة مستهدفة بسياسات الإهمال والتضييق قبل الانتقال إلى مرحلة الهدم وفرض الواقع بالقوة.

وقد طالت عمليات الهدم حتى الآن 58 منشأة، بينها محال تجارية ومغسلة ومحل غاز وبسطات وبركسات وملحقات سكنية، إلى جانب مداهمة العمارات السكنية القريبة من الجدار، واعتلاء أسطحها ونشر قناصة، في مشهد وصف بأنه غير مسبوق من حيث الحجم والخطورة.

وتأتي الحملة في ظل اقتحامات متكررة تشهدها مناطق شمال القدس المحتلة، ولا سيما محيط مخيم قلنديا، تتخللها إغلاقات للطرق ومداهمات للمنازل والمنشآت، ما ينعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للفلسطينيين ويعمّق سياسة التضييق والضغط الهادفة إلى تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي للمدينة.

يذكر أن العام الماضي شهد إعلان ما تُسمّى لجنة البناء والتخطيط الإسرائيلية المصادقة على ثلاثة مشاريع استيطانية كبرى في أراضي مطار قلنديا شمال القدس المحتلة، في خطوة جديدة لترسيخ الاستيطان وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على المنطقة.

ويهدف المخطط الاستيطاني في قلنديا إلى تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء في المستوطنات المقامة في القدس المحتلة ومحيط رام الله، إضافة إلى دعم التوسع الديمغرافي الاستيطاني.

وأكدت محافظة القدس أن المخطط يضرب التواصل الجغرافي والديمغرافي الفلسطيني بين القدس ورام الله، ويفرض وقائع استيطانية جديدة تقوّض أي أفق سياسي قائم على حل الدولتين، وتمنع تطور القدس الشرقية كمركز حضري وسياسي للدولة الفلسطينية.

وأوضحت أن المخطط يشمل إنشاء نحو 9,000 وحدة استيطانية في قلب فضاء حضري فلسطيني كثيف، يضم كفر عقب وقلنديا والرام وبيت حنينا وبير نبالا، ما يشكّل تهديدًا مباشرًا للحيّز الحضري الفلسطيني المتكامل شمال القدس، ويعمّق سياسة الفصل والعزل المفروضة على المدينة ومحيطها.

وفي هذا السياق، أقر الاحتلال تدشين محطة الطاقة “عطروت” التابعة لشركة إيجد بروبرتيز، الخاضعة لسيطرة صندوق كِستون، بقدرة إنتاجية تصل إلى نحو 900 ميغاواط. وتقع المحطة داخل المنطقة الصناعية الاستيطانية عطروت، وتشمل مرافق مرافقة، من بينها ساحة لشحن الحافلات الكهربائية، ومنشأة لمعالجة النفايات، وأخرى لتسييل الغاز، ما يحوّل الموقع إلى مركز إقليمي للبنى التحتية الاستيطانية.

خطوات في طريق الحسم

بدوره، رأى المختص في الشأن المقدسي، الباحث زياد ابحيص، أن عملية “درع أورشليم” تشكل خطوات متتالية بحثًا عن الحسم، معتبرًا أن أحد أبرز العناوين التي يسعى الاحتلال إلى حسمها هو الوصول إلى حدود نهائية للقدس، يضم من خلالها أكبر عدد من المستوطنات والمستوطنين، ويُلحِق بالمدينة أكبر مساحة ممكنة من الأرض، مقابل إقصاء أكبر عدد ممكن من المقدسيين عنها.

ورأى ابحيص، في حديث لـ”القدس العربي”، أن العملية بدأت أساسًا أواخر عام 2025 ضد كفر عقب ومخيم قلنديا، اللذين عزلهما الجدار عن مدينة القدس، قبل أن يُطلق الاحتلال جزءًا ثانيًا منها في 12 كانون الثاني/ يناير 2026 ضد مخيم شعفاط، حيث استمرت لعدة أيام، وجاءت تمهيدًا لهدم مقر الأونروا في حي الشيخ جراح في 20 كانون الثاني/ يناير 2026.

أما الحلقة الثالثة من حملات “درع أورشليم”، فقد وُجِّهت ضد حي مطار قلنديا داخل الجدار، وإلى بلدتي كفر عقب وحزما خارجه، وشهدت هدم عشرات العقارات، وهو ما يعني أن هذه العمليات تمثل نحو 28% من إجمالي المنشآت التي هُدمت في القدس خلال عام 2025، علمًا بأنه كان العام الأكثر من حيث عدد المنشآت المهدومة منذ احتلال المدينة عام 1967.

وشدد ابحيص على أن الأمور تتجه نحو عودة مركز “معركة الحسم” إلى القدس، كما بدأت منها عام 2017، وبمستوى غير مسبوق منذ احتلال المدينة.

ويرى الباحث المقدسي أن العدوان في شمال القدس يحمل عدة دلالات، منها التمهيد لبناء مستوطنة جديدة في موقع مطار القدس الدولي في قلنديا، إضافة إلى استكمال سياسة الاحتلال في كفر عقب، التي تُركت لفترة طويلة متنفسًا عمرانيًا للمقدسيين، حيث غض الاحتلال الطرف عن البناء فيها بهدف تحويلها إلى نقطة جذب سكاني، قبل استكمال فصلها عن بقية القدس، بما يؤدي إلى عزل أكبر عدد ممكن من سكان المدينة داخل منطقة مكتظة، ضعيفة التخطيط والبنى التحتية، ما يضعها في دائرة احتكاك وأزمات مستمرة.

وأضاف أن من بين هذه الدلالات أيضًا تكريس الفصل النهائي لبلدة حزما عن القدس، ودفعها نحو التحول إلى منطقة ريفية معزولة تفتقر إلى الاتصال بمركز حضري. وإذا ما وُضعت هذه التطورات إلى جانب الحملات المتتالية على برية القدس في الخان الأحمر ومحيطه، وعلى شمالها الشرقي في مخماس والتجمعات البدوية المجاورة، وكذلك شرق رام الله، فإن تصور الاحتلال قد لا يقتصر على سياسة “العزل” فحسب، بل قد يتجاوزها إلى رؤية أشمل تستهدف الامتداد الشرقي للقدس ورام الله، وتكريس تهويد غور الأردن والمناطق الشفا غورية المؤدية إليه، وعزل الفلسطينيين عنه باتجاه المراكز المدنية، التي قد توضع لاحقًا تحت تهديد الإلغاء هي الأخرى.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات